جريمة السرقة في سوريا: تصنيفها القانوني وطرق التعامل معها
تُعدّ جريمة السرقة من أبرز الجرائم التي تناولها القانون السوري بالتنظيم والتفصيل، نظراً لما تمثله من اعتداء مباشر على الملكية الفردية وتهديد للاستقرار الاجتماعي، ومع تزايد التحديات الاقتصادية والاجتماعية، برزت الحاجة إلى فهم أعمق لأبعاد هذه الجريمة، سواء من حيث تعريفها القانوني وأركانها، أو من حيث أسباب انتشارها وتفاوت العقوبات المرتبطة بها.
كما يكتسب هذا الموضوع أهمية إضافية عند التطرق إلى آليات التعامل مع فئة الأحداث الجانحين، إلى جانب استعراض أبرز الإجراءات القانونية والوقائية التي تهدف إلى الحد من هذه الظاهرة.
في هذا السياق، قال سلمان عبيدو، محامٍ أستاذ في نقابة المحامين في سوريا فرع اللاذقية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن المادة (621) من قانون العقوبات السوري عرّفت جريمة السرقة بأنها: "أخذ مال الغير المنقول دون رضاه"، مشيراً إلى أنه يشترط في المال محل الجريمة أن يكون منقولاً، أي قابلاً للنقل من مكان إلى آخر، وأن يكون مملوكاً للغير، وأن يتم انتزاعه أو اختلاسه بغير رضا صاحبه الصريح أو الضمني.
وأضاف أن جريمة السرقة تقوم قانوناً على ركنين رئيسيين، أولهما الركن المادي، والذي يتمثل في فعل الأخذ أو الاختلاس، أي إخراج المال المنقول من حيازة مالكه أو حائزه وإدخاله في حيازة السارق دون رضاه، مبيناً أن محل الجريمة يجب أن يكون مالاً منقولاً مملوكاً للغير، كالنقود أو السيارات أو المجوهرات أو حتى الطاقة الكهربائية والمياه، إلى جانب شرط عدم الرضا، أي وقوع الأخذ دون علم أو قبول صاحب المال.
وأشار إلى أن الركن الثاني هو الركن المعنوي أو القصد الجرمي، والذي يتضمن القصد العام، أي علم الجاني بأن المال مملوك للغير، وإرادته الحرة في ارتكاب فعل الأخذ، إضافة إلى القصد الخاص المتمثل في نية التملك، أي اتجاه نية السارق إلى حرمان المالك الأصلي من ممتلكاته بشكل نهائي والاستئثار بها لنفسه.
ونوه عبيدو إلى أن أسباب انتشار جرائم السرقة في المجتمع متعددة ومتداخلة، في مقدمتها الظروف الاقتصادية الصعبة، مثل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة والتضخم وتراجع القدرة الشرائية، لافتاً إلى أن الأزمات والاضطرابات كالحروب والنزاعات والكوارث تُضعف أحياناً الرقابة الأمنية وتوفر بيئة مشجعة للخارجين عن القانون، إضافة إلى استغلال المنازل والمنشآت المهجورة.
وبين أن العوامل الاجتماعية والتربوية تلعب دوراً مهماً أيضاً، مثل التفكك الأسري وتسرب الأطفال من المدارس وتدني مستوى التوعية الأخلاقية والتربوية، مؤكداً أن انتشار الإدمان يدفع بعض المتعاطين للمخدرات أو المسكرات إلى ارتكاب السرقة لتأمين تكاليف الإدمان، إلى جانب ضعف الردع الاجتماعي أو الأمن الوقائي الناتج عن إهمال حماية الممتلكات الشخصية أو ضعف آليات الرقابة والحراسة في بعض المناطق.
ولفت إلى أن المشرّع السوري يفرّق بين نوعين رئيسيين للسرقة، أولهما السرقة البسيطة التي تُعد من الجنح، وتكون دون اقترانها بظروف مشددة مثل السرقات العادية أو النشل البسيط أو سرقة المزروعات، موضحاً أن عقوبتها تتراوح عادة بين الحبس من شهر إلى ثلاث سنوات مع الغرامة المالية بحسب نوع المال والظرف.
وذكر المحامي سلمان أن النوع الثاني هو السرقة الموصوفة أو المشددة، والتي تتحول إلى جناية وفقاً للمواد (622 حتى 628) عندما تقترن بظروف تزيد من خطورتها، مثل ارتكاب الجريمة ليلاً، أو من قبل شخصين أو أكثر، أو باستخدام السلاح ظاهراً أو مخفياً أو التهديد به، أو باستعمال العنف أو الخلع أو الكسر والدخول إلى منازل مأهولة، أو وقوعها أثناء الكوارث أو الحروب أو العصيان.
وتحدث عن أن العقوبات في هذه الحالات تصل إلى الأشغال الشاقة المؤقتة التي قد تبلغ 7 أو 15 سنة، وقد تصل إلى الأشغال الشاقة المؤبدة التي تتراوح بين 15 و20 سنة في الحالات المشددة جداً.
وأوضح أن التعامل القانوني مع الأحداث الجانحين ينظمه قانون الأحداث الجانحين السوري رقم 18 لعام 1974 وتعديلاته، حيث يتم استبعاد العقوبات السجنية العادية، فلا يُحكم على الحدث بالعقوبات الجنائية كالأشغال الشاقة أو السجن في السجون العامة.
وأكد عبيدو أن التدابير الإصلاحية والتربوية تختلف بحسب الفئة العمرية، إذ تُطبق على الأحداث دون 12 سنة تدابير حماية وتأهيل مثل التسليم لأولياء الأمور أو المراقبة التوجيهية دون مسؤولية جزائية، فيما يُحكم على من تتراوح أعمارهم بين 12 و15 سنة بتدابير إصلاحية تشمل الإيداع في معاهد إعداد ورعاية الأحداث الجانحين لتأهيلهم تعليمياً ومهنياً.
وشدد على أن الفئة العمرية بين 15 و18 سنة تُفرض بحقها عقوبات مخففة جداً تُنفذ في دور ومراكز خاصة بالأحداث بعيداً عن السجون العامة، بهدف الحفاظ على مستقبلهم وإعادة إدماجهم في المجتمع.
وأفاد بأن الحد من جرائم السرقة يتطلب مجموعة من الحلول والإجراءات، في مقدمتها تفعيل الردع القانوني من خلال تطبيق النصوص الجزائية الخاصة بالسرقات المشددة بصرامة لضمان عدم الإفلات من العقاب، إضافة إلى تطوير آليات الضابطة العدلية عبر تعزيز التغطية الأمنية واستخدام التكنولوجيا مثل كاميرات المراقبة والأدلة الجنائية الحديثة لكشف الجرائم بسرعة.
وأشار إلى أهمية المعالجة الاقتصادية والاجتماعية، من خلال خفض معدلات البطالة وتقديم الدعم للفئات الهشة ومكافحة ظاهرة تسرب الأطفال وتوفير دور الرعاية، إلى جانب تفعيل برامج التأهيل وإعادة الإدماج داخل مراكز السجون ومعاهد الأحداث لمنع العودة إلى الجريمة بعد انقضاء العقوبة.
وتُعرّف جريمة السرقة في القانون السوري ضمن إطار قانوني محدد يبيّن أركانها وشروط تحققها، مع تمييز واضح بين أنواعها تبعاً لظروف ارتكابها، وما يقابل ذلك من عقوبات متفاوتة، كما يشمل هذا الإطار آليات خاصة للتعامل مع فئة الأحداث الجانحين، إلى جانب مجموعة من الإجراءات القانونية والوقائية المرتبطة بالحد من هذه الجريمة.