اختيار التخصص: قرار الطالب أم الأسرة؟
اختيار التخصص: قرار الطالب أم الأسرة؟
● مجتمع ٢٧ يوليو ٢٠٢٦

اختيار التخصص: قرار الطالب أم الأسرة؟

ينتظر الطلاب في سوريا صدور نتائج امتحانات الشهادة الثانوية، إذ تمثّل هذه المرحلة نقطة مفصلية في تحديد مسارهم التعليمي، وبعد إعلان النتائج، تصدر المفاضلة التي تُحدَّد بموجبها الفروع والتخصصات الجامعية المتاحة لكل طالب، استناداً إلى مجموع العلامات التي حققها في الامتحانات.


وفي هذه المرحلة، يتجه الطلاب إلى اختيار اختصاصاتهم وفق ميولهم ورغباتهم، في حين يتأثر هذا القرار، في بعض الحالات، برغبات الأهل أو بتأثير نصائح المحيطين بهم، وتعكس هذه المرحلة أحياناً حالة من التوتر بين طموح الطالب وتوقعات الأسرة، خاصة عندما لا تكون الاختيارات المتاحة منسجمة تماماً مع ميوله الشخصية.


وتتنوع أسباب هذا التدخل، فمنها ما يرتبط برغبة الأب في أن يسلك الابن المسار ذاته الذي درسه سابقاً، أو قناعة بعض الأهالي بتفوّق تخصصات معينة على غيرها، إضافة إلى اعتبارات اجتماعية ترتبط بالمكانة أو التفاخر، ما يعكس جانباً من التحديات التي يواجهها بعض الطلاب عند الانتقال إلى مرحلة المفاضلة، حيث لا يكون القرار الدراسي نابعاً دائماً من رغبتهم وحدهم، بل يتأثر أحياناً بتوجهات الأسرة وتصوراتها عن التخصص المناسب.


في هذا السياق، روت صبحة المحمد (اسم مستعار) تجربتها لشبكة شام الإخبارية، قائلةً إنها حصلت على علامات جيدة تؤهلها لدراسة الهندسة بمختلف تخصصاتها، لكنها لم تكن كافية لدخول كلية الطب أو الصيدلة، وأضافت أن أهلها رفضوا فكرة دراستها للهندسة، باعتبار أن هذا التخصص "غير مناسب للفتيات" من وجهة نظرهم، رغم وجود العديد من الشابات اللواتي درسن هذه المجالات.


وأشارت إلى أنها لم تتمكن من إقناعهم، ففرضوا عليها دراسة كلية التربية تخصص معلم صف، لافتةً إلى أنها شعرت بانزعاج كبير، لكنها لم تجد حلاً آخر، ونوهت إلى أنها بقيت متأثرة بذلك طوال الفصل الدراسي الأول من دراستها الجامعية، وكانت تزداد حسرتها كلما تواصلت مع صديقاتها اللواتي التحقن بتخصص الهندسة، قبل أن تبدأ لاحقاً بالتأقلم مع واقعها الجديد.


الطالب بين القناعة والإجبار


في سياق متصل، قال قدور العباس، مدرس اللغة الإنكليزية، في تصريح خاص لـ شام، إن هذه المرحلة تمثل أول مفترق طرق حقيقي في حياة الشاب أو الفتاة، وأضاف أن الانتقال من مرحلة التعليم العام إلى مرحلة الاستقلالية وبناء الهوية المهنية يجعل اختيار التخصص قراراً لا يحدد فقط أربع أو خمس سنوات دراسية، بل يرسم ملامح نمط الحياة المستقبلي.


وأشار إلى أن التعليم يتحول من عبء إلى شغف يدفع الطالب إلى الابتكار والإبداع في المجال الذي يفضله، وليس إلى النجاح المحدود فقط، ونوّه إلى أن إجبار الطالب على تخصص لا يرغبه قد يؤدي إلى انخفاض التحصيل الدراسي، واحتمال الفشل، وخسارة سنوات في مجال غير مرغوب، لافتاً إلى أن ذلك يرافقه ضغط نفسي، وفقدان الثقة، وشعور باللوم تجاه الأهل.


وبين أن سوق العمل اليوم يطلب المهارة والشغف، وليس فقط اسم الشهادة، موضحاً أن إجبار الطالب على تخصص ما قد يجعله يعاني من الفشل المهني وعدم الاستقرار الوظيفي، وذكر أنه يجب على الأهل تقديم النصيحة وشرح واقع سوق العمل دون ضغوط عاطفية.


وأفاد العباس بأن نصيحته للطلاب هي إقناع الأهل بالحجج والواقع وفرص العمل، فيما شدد على أن على الأهالي استيعاب أن زمن الطب والهندسة كخيارين للنجاح قد انتهى، وترك الأبناء يبنون نجاحهم الخاص، لأنهم قادرون على بناء أنفسهم.


أسباب التدخل الأسري وتداعياته


وفي الإطار ذاته، يؤكد مختصون تربويون أن تدخل بعض الأهل في اختيار التخصص الجامعي لأبنائهم يعود إلى عدة أسباب، من بينها رغبتهم في ضمان مستقبل أفضل لهم، أو تأثرهم بتجاربهم الشخصية، أو اعتقادهم أن بعض التخصصات تمنح مكانة اجتماعية أكبر من غيرها، وأضافوا أن بعض الأسر تنظر إلى هذا القرار باعتباره امتداداً لطموحاتها هي لا لطموحات الأبناء، ما يخلق أحياناً حالة من التوتر بين رغبة الطالب وتوقعات العائلة.


وأشار المختصون إلى أن هذا التدخل قد ينعكس سلباً على الطالب، إذ يؤدي إلى انخفاض الدافعية نحو الدراسة، وفقدان الحماس، وضعف الانتماء إلى التخصص الذي فُرض عليه، وبينوا أن بعض الطلاب قد يواجهون ضغطاً نفسياً وشعوراً دائماً بعدم الرضا، خاصة عندما يجدون أنفسهم في مجال لا يتوافق مع ميولهم أو قدراتهم، وهو ما قد يؤثر أيضاً في تحصيلهم الدراسي ومستقبلهم المهني.


وأوضحوا أن الحل يكمن في الحوار الهادئ بين الأهل والأبناء، وتقديم النصيحة دون فرض، مع شرح واقع التخصصات وفرصها المهنية بشكل واضح، وشددوا على أن اختيار التخصص يجب أن يقوم على القناعة والميول والقدرات، لأن النجاح الحقيقي لا يرتبط باسم التخصص بقدر ما يرتبط بالشغف والاستعداد والاجتهاد، فيما يبقى دور الأهل داعماً موجهاً لا ضاغطاً أو متحكماً.


تعد مسألة اختيار التخصص الجامعي من المراحل الحاسمة التي تتداخل فيها رغبات الطلاب مع توجهات الأسر واعتبارات المستقبل، ما يجعل الحوار المتوازن والتفاهم بين الطرفين عنصراً أساسياً في هذه المرحلة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ