عدنان قصار يعود إلى صهوة جواده ويروي لـ"شام": استعدت جزءاً من حياتي التي سلبت مني
عدنان قصار يعود إلى صهوة جواده ويروي لـ"شام": استعدت جزءاً من حياتي التي سلبت مني
● محليات ٢٦ يوليو ٢٠٢٦

عدنان قصار يعود إلى صهوة جواده ويروي لـ"شام": استعدت جزءاً من حياتي التي سلبت مني

شكل مشهد عودة الفارس السوري عدنان قصار إلى صهوة جواده في نادي الفروسية المركزي بمنطقة الديماس بريف دمشق لحظة مؤثرة لدى الكثير من السوريين كونها لم تكن مجرد مشاركة في بطولة بل كانت لحظة اختزلت أكثر من ثلاثة عقود من الألم والحرمان.

من هو عدنان قصار؟

يعد عدنان قصار أحد أبرز أبطال الفروسية في سوريا وقائداً للمنتخب السوري، وجد نفسه في مطلع تسعينيات القرن الماضي ينتقل من منصات التتويج إلى زنازين النظام البائد بتهم ملفقة ليقضي أكثر من عقدين متنقلاً بين معتقلات تدمر وصيدنايا وعدرا واليوم، وبعد سقوط نظام الأسد البائد عاد إلى الميدان الذي أُبعد عنه قسراً، حاملاً رسالة تتجاوز قصته الشخصية لتؤكد أن الحقوق قد تؤخر، لكنها لا تسقط.

وفي حديث خاص لشبكة شام الإخبارية، استعاد قصار تفاصيل تلك اللحظة التي امتطى فيها جواده للمرة الأولى بعد غياب دام أكثر من 35 عاماً، مؤكداً أنها لم تكن مجرد عودة إلى رياضة أحبها، بل كانت استعادة لحياته التي سلبت منه وقال: "شعرت بأنني استعدت جزءاً من عمري الذي سُرق مني، ولم تكن عودتي إلى صهوة الجواد مجرد ممارسة للفروسية، بل كانت عودة إلى نفسي وإلى المكان الذي أنتمي إليه".

وأكد قصار أن السجن لم يسلبه حريته فحسب، بل سرق أيضاً مستقبله الرياضي، موضحاً أنه كان يؤمن بقدرته على بلوغ أعلى المستويات العالمية والمنافسة في البطولات الدولية والألعاب الأولمبية، لولا الاعتقال الذي أنهى مسيرته وهو في ذروة عطائه ويرى أن سوريا خسرت خلال تلك الحقبة جيلاً كاملاً من الرياضيين والمواهب بسبب الاعتقالات والتهجير والإقصاء، وأن الضرر الذي لحق بالرياضة السورية لا يزال حاضراً حتى اليوم.

وعن سنوات الاعتقال، يقول قصار إن أكثر ما بقي عالقاً في ذاكرته هو حجم الإذلال الذي كان يتعرض له أصحاب التاريخ الرياضي والمكانة الاجتماعية داخل السجون، مؤكداً أن النظام البائد كان يتعمد إهانتهم والنيل من كرامتهم، بينما كان يمنح بعض أصحاب الجرائم الجنائية معاملة أفضل، في صورة تعكس طبيعة المؤسسة الأمنية التي حكمت البلاد لعقود.

وخلال مشاركته في بطولة العرض الوطني لجمال الخيول العربية الأصيلة، بحضور الرئيس أحمد الشرع، وصف القصار تلك اللحظة بأنها مصدر فخر كبير بالنسبة له، لكنها حملت في الوقت ذاته رسالة تتجاوز شخصه، معتبراً أن ظهوره مجدداً على صهوة الجواد يمثل رسالة لكل السوريين الذين تعرضوا للظلم، وأن العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا عندما يستعيد كل مظلوم حقه، سواء كان رياضياً أو تاجراً أو عاملاً أو أي مواطن حُرم من حقوقه.

ورغم سنوات الاعتقال الطويلة، يؤكد القصار أن نظره اليوم يتجه نحو المستقبل أكثر من الماضي، إذ يطمح إلى إعداد جيل جديد من فرسان المنتخب السوري وإعادة بناء رياضة الفروسية على أسس احترافية، معتبراً أن الشباب هم الثروة الحقيقية لسوريا، وأن الاستثمار فيهم هو الطريق لاستعادة مكانة البلاد الرياضية.

ووجّه قصار عبر شبكة شام الإخبارية رسالة إلى الأجيال الجديدة، دعاهم فيها إلى ممارسة الفروسية كونها من الوصايا النبوية مؤكداً أنها ليست مجرد رياضة للمنافسة، بل مدرسة لبناء الشخصية وغرس قيم الاتزان والثقة بالنفس والعزة والكرامة والانضباط، لما تحمله من أبعاد تربوية وأخلاقية تسهم في صناعة الإنسان قبل صناعة البطل.

وتحمل قصة عدنان قصار واحدة من أكثر القصص تأثيراً في تاريخ الرياضة السورية. فقد كان قائداً للمنتخب السوري للفروسية وأحد أبرز أبطال اللعبة خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وحقق العديد من الإنجازات المحلية والدولية، قبل أن يتحول تفوقه الرياضي، إلى بداية مأساة طويلة انتهت باعتقاله عام 1993.

ويروي قصار أن نقطة التحول في حياته جاءت بعد البطولة الدولية الثالثة ضمن مهرجان المحبة والسلام في اللاذقية عام 1992، حين تفوق على باسل الأسد وأحرز المركز الأول والميدالية الذهبية أمام عشرات الآلاف من الجماهير، وهو ما جعله يحظى بلقب "الفارس الذهبي" وبعد أشهر، يقول إنه تعرض لكمين داخل نادي دمشق للفروسية، حيث وُضعت حقيبة تحوي قنبلة في سيارته، قبل أن يعتقل بتهم ملفقة، ويبدأ رحلة طويلة بين فروع المخابرات والسجون.

تنقل القصار بين سجن تدمر، حيث أمضى سبع سنوات ونصف بينها أربع سنوات ونصف في زنزانة انفرادية، ثم قضى أحد عشر عاماً في سجن صيدنايا، قبل أن يُنقل إلى سجن عدرا المركزي لثلاث سنوات أخرى ويؤكد أنه لم يعرف طبيعة التهم الموجهة إليه إلا بعد نحو تسعة عشر عاماً من اعتقاله، حين أُبلغ بأن من بينها "تحقير رئيس الدولة" و"الشروع بالقتل العام"، مشيراً إلى أنه تعرض خلال سنوات احتجازه لأقسى صنوف التعذيب الجسدي والنفسي، ولا سيما في فترات العزل الانفرادي، إضافة إلى تعرضه لتعذيب إضافي في ذكرى وفاة باسل الأسد.

ويكشف قصار أن عائلته تقدمت مراراً بطلبات للإفراج عنه، سواء في عهد حافظ الأسد أو بعد تولي بشار الأسد الهارب السلطة، إلا أن جميع المحاولات باءت بالفشل، قبل أن يخرج في 14 حزيران/يونيو 2014 بموجب مرسوم عفو ويصف لحظة الإفراج عنه بأنها كانت أقرب إلى الحلم، إذ لم يصدق أنه استعاد حريته بعد أكثر من عشرين عاماً خلف القضبان.

وبعد خروجه، عاد إلى ممارسة الفروسية بصورة شخصية داخل الأندية الخاصة، لكنه يؤكد أنه لم يُمنح فرصة للعودة إلى موقعه الطبيعي في العمل الرياضي، رغم خبرته الطويلة كقائد ومدرب للمنتخب السوري ويرى أن المرحلة الجديدة تستوجب الاستفادة من خبرات الكفاءات التي همّشها النظام البائد، لإعادة بناء الرياضة السورية على أسس وطنية ومهنية.

وبين لحظة اعتقاله التي أنهت مسيرته الرياضية، ولحظة عودته إلى صهوة جواده في دمشق، تمتد حكاية عدنان القصار بوصفها واحدة من أكثر القصص تعبيراً عن الثمن الذي دفعه السوريون تحت حكم الأسد البائد فالفارس الذي خرج من السجن بعد أكثر من عقدين لا يبحث اليوم عن تعويض سنواته الضائعة بقدر ما يسعى إلى صناعة مستقبل جديد للفروسية السورية، مؤمناً بأن بناء الأجيال القادمة هو الانتصار الحقيقي على سنوات القمع، وأن الميدان الذي أُبعد عنه قسراً عاد شاهداً على انتصار الإرادة على السجن والظلم.

ولم تكن عودة القصار إلى الواجهة مقتصرة على بطولة الديماس مؤخرا بدمشق، إذ سبق أن كرّمه الرئيس أحمد الشرع خلال احتفالات عيد التحرير الأول في كانون الأول/ديسمبر 2025، عندما سلّمه "خوذة الشهداء" في قصر المؤتمرات بدمشق.

ووصف القصار تلك اللحظة بأنها كانت من أكثر المحطات تأثيراً في حياته، معتبراً أن التكريم لم يكن لشخصه فقط، بل لكل ضحايا النظام السابق من الرياضيين والمعتقلين.

وأكد أن الخوذة التي حملها للرئيس كانت تمثل ذاكرة الشهداء والمعتقلين، ورمزاً للعدالة التي طال انتظارها، مشيراً إلى أن تلك اللحظة أعادت إليه جزءاً من كرامته التي سُلبت خلال سنوات الاعتقال.

هذا وأثارت عودة عدنان قصار إلى صهوة جواده تفاعلاً كبيراً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر كثير من السوريين أن قصته تختزل ما تعرض له آلاف السوريين من إقصاء وسجن وتعذيب بسبب الكفاءة أو الاختلاف مع السلطة.

ورأى متابعون أن مشهد عودته لا يمثل انتصاراً شخصياً فحسب، بل يعكس بداية مرحلة يسعى فيها السوريون إلى استعادة حقوقهم ورد الاعتبار للرموز الوطنية التي همّشها النظام البائد، بينما اعتبر آخرون أن قصة القصار تكشف كيف تحولت الرياضة في ظل النظام البائد إلى أداة للولاء السياسي، بحيث أصبح التفوق على أحد أفراد العائلة الحاكمة المتوحشة سبباً كافياً لإنهاء مستقبل رياضي وإلقاء صاحبه في غياهب السجون لأكثر من عقدين.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ