ما لا يقوله الطفل.. كيف تظهر آثار التجارب المؤلمة في سلوكه؟
قد يمر الطفل بتجارب مؤلمة تترك أثراً في مشاعره وسلوكه، حتى عندما لا يمتلك القدرة على التعبير عما عاشه أو وصفه بصورة واضحة، وقد تظهر آثار هذه التجارب في صور مختلفة، مثل تغير السلوك أو النوم أو طريقة تفاعل الطفل مع الأشخاص والمواقف المحيطة به، ما يجعل ملاحظة هذه التغيرات أمراً مهماً لفهم ما يمر به الطفل.
آثار التجارب المؤلمة على الطفل
في هذا السياق، قالت الأخصائية النفسية مروة السيد علي، من خلال تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن الطفل يمكن أن يتأثر بتجربة مؤلمة حتى لو لم يكن قادراً على وصفها بالكلمات، موضحةً أن الطفل قد لا يتذكر الحدث بالطريقة نفسها التي يتذكر بها الشخص البالغ موقفاً حدث له.
وأشارت إلى أنه، على سبيل المثال، قد يتعرض طفل لموقف مخيف في المستشفى، وبعد ذلك يصبح شديد الخوف كلما رأى طبيباً أو دخل مكاناً يشبه المستشفى، من دون أن يستطيع شرح سبب خوفه، موضحةً أن الطفل قد يكون محتفظاً بأثر التجربة حتى لو لم يستطع سردها بشكل واضح.
وبينت أن التجارب المؤلمة لا تُخزّن في الذاكرة بطريقة واحدة، إذ يمكن أن تترك آثاراً في الذاكرة والانفعالات والجسم والسلوك، وبدرجات مختلفة من طفل إلى آخر، وأضافت، على سبيل المثال، أن طفلاً تعرض لموقف عنيف بين أشخاص بالغين في المنزل قد لا يستطيع لاحقاً وصف ما حدث، لكنه قد يصبح شديد التوتر عندما يسمع أصواتاً مرتفعة أو يبدأ شخصان أمامه في الجدال، وقد يحاول الهروب أو الاختباء أو البكاء.
وتحدثت السيد علي عن التأثيرات النفسية التي قد تظهر على الطفل لاحقاً نتيجة هذه التجارب المؤلمة، موضحةً أن التأثير يختلف من طفل إلى آخر، ويتأثر بعوامل كثيرة، منها شدة التجربة وتكرارها وعمر الطفل ومدى شعوره بالأمان والدعم الذي حصل عليه بعد التجربة، ولفتت إلى أن بعض التأثيرات قد تتمثل في القلق والخوف والكوابيس واضطرابات النوم وصعوبة التركيز والانفعال السريع أو الانسحاب من الآخرين.
وذكرت مثالاً على ذلك بطفل كان اجتماعياً ويحب اللعب مع زملائه، ثم أصبح بعد تجربة مؤلمة أكثر انعزالاً، ولا يرغب في الذهاب إلى المدرسة، ويغضب بسرعة أو يبكي لأسباب بسيطة، مشيرةً إلى أن هذا التغير يحتاج إلى الانتباه، خصوصاً إذا استمر وأصبح يؤثر في حياته اليومية، وأوضحت أن هذه الذكريات يمكن أن تؤثر في شخصية الطفل وثقته بنفسه في مراحل عمرية متقدمة، عندما يعيش الطفل لفترة طويلة في بيئة تفتقر إلى الأمان والدعم.
وأفادت بأنه، على سبيل المثال، إذا كان الطفل يتعرض باستمرار للإهانة أو التقليل من شأنه، فقد يبدأ في تكوين فكرة عن ذاته أو اعتقاد مثل: «أنا لا أستطيع» أو «أنا أقل من الآخرين»، ومع مرور الوقت قد يظهر ذلك في صورة تردد أو خوف من الخطأ أو حساسية شديدة تجاه النقد.
وفي المقابل، أكدت الأخصائية مروة أن الطفل إذا كان يعيش تجربة صعبة لكنه يجد شخصاً بالغاً يستمع إليه ويحميه ويؤكد له أنه محبوب وآمن وأنه ليس مسؤولاً عما حدث، فإن هذا الدعم يساعد في تقليل الآثار السلبية، وشددت على أن من العلامات التي قد تدل على تأثر الطفل بتجربة مؤلمة لم يُفصح عنها، التغير الواضح والمستمر في سلوكه مقارنة بما كان عليه سابقاً، موضحةً أن ذلك قد يظهر في عدد من الصور.
وأشارت إلى أن من بين هذه العلامات تغيراً مفاجئاً في النوم أو ظهور كوابيس متكررة، وخوفاً شديداً أو غير معتاد من أشخاص أو أماكن أو مواقف معينة، إضافة إلى التعلق الزائد بأحد الوالدين والخوف من الانفصال عنه، ونوهت إلى أن انسحاب الطفل من اللعب أو الأصدقاء، والتراجع الدراسي أو صعوبة التركيز، ونوبات الغضب أو البكاء المتكررة، قد تكون أيضاً من العلامات التي تستدعي الانتباه.
وأضافت أن السلوك العدواني غير المسبوق، والتبول اللاإرادي في بعض الحالات، إلى جانب التغير الواضح في الشهية أو النشاط، قد تظهر كذلك ضمن التغيرات التي تطرأ على الطفل، وفيما يتعلق بكيفية مساعدة الأهل أو المربين للطفل على تجاوز هذه التجارب والتعامل معها بشكل صحي، قالت إن الطفل يحتاج إلى الشعور بالأمان، لذلك من المهم أن يستمع الأهل إليه من دون ضغط أو استجواب.
وأوضحت السيد علي أنه بدلاً من أن يقول الأهل للطفل: «ماذا حدث لك؟ أخبرنا الآن»، يمكنهم القول: «نشعر أنك لست مرتاحاً، وإذا أردت أن تتحدث فنحن موجودون لنسمعك»، ولفتت إلى أن اللعب والرسم والقصص يمكن أن تكون وسائل مناسبة لعمر الطفل للتعبير عن مشاعره، إلى جانب الحفاظ على الروتين والنوم والنشاط البدني والعلاقات الاجتماعية الآمنة.
وأكدت أهمية ألا يشعر الطفل بأنه مذنب فيما حدث، وأن يسمع رسائل واضحة مثل: «من الطبيعي أن تشعر بالخوف بعد موقف مخيف»، و«أنا هنا لمساعدتك»، ونبهت أنه إذا استمرت الأعراض أو كانت شديدة أو أثرت في الدراسة والنوم والعلاقات والحياة اليومية، فمن الأفضل الاستعانة بأخصائي نفسي للأطفال لديه خبرة في التعامل مع الصدمات.
تبقى آثار التجارب المؤلمة لدى الأطفال متفاوتة بحسب طبيعة التجربة والظروف المحيطة بالطفل، وقد تظهر بعض التغيرات بشكل مؤقت أو تستمر لفترة أطول. ويظل الانتباه إلى التحولات المستمرة في سلوك الطفل وتفاعله ونمط حياته من الجوانب التي تساعد على فهم احتياجاته، إلى جانب توفير الدعم المناسب له عند الحاجة.