من موسى إلى احتلال 1967.. ماذا يقول التاريخ عن ادعاء نتنياهو حول الوجود اليهودي في الجولان؟
من موسى إلى احتلال 1967.. ماذا يقول التاريخ عن ادعاء نتنياهو حول الوجود اليهودي في الجولان؟
● سياسة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦

من موسى إلى احتلال 1967.. ماذا يقول التاريخ عن ادعاء نتنياهو حول الوجود اليهودي في الجولان؟

أعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال خطابه أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم 24 أيلول 2026، استحضار الرواية الدينية في حديثه عن مرتفعات الجولان، مخاطباً الرئيس أحمد الشرع بالقول إن اليهود موجودون في الجولان «منذ أيام موسى»، قبل أن يحيل في حديثه إلى الكتاب المقدس.

ويفتح التصريح باب البحث في تاريخ المنطقة الممتد لآلاف السنين، وما إذا كان السجل الأثري يدعم وجوداً يهودياً متصلاً منذ الزمن المنسوب إلى موسى وحتى العصر الحديث، أم أنه يكشف مراحل سكانية متعاقبة وانقطاعات زمنية طويلة بين المجتمعات اليهودية القديمة ومحاولات الاستيطان التي ظهرت لاحقاً.

وتظهر المعطيات الأثرية أن الجولان كان مأهولاً قبل الفترة التي تنسب إليها روايات موسى وبني إسرائيل بآلاف السنين، وأن مجتمعات وحضارات وديانات مختلفة تعاقبت على المنطقة، فيما لا تتوافر سلسلة أثرية تثبت وجوداً يهودياً مستمراً فيها منذ تلك الحقبة وحتى الزمن الحديث.

تثبت المكتشفات، في المقابل، وجود مجتمعات يهودية واضحة في الجولان خلال مراحل لاحقة من التاريخ القديم، ما يجعل القضية مرتبطة بتحديد زمن هذا الوجود المثبت ومدى استمراره، وليس بنفي وجود اليهود تاريخياً في المنطقة.

الجولان مأهول قبل الرواية التوراتية بآلاف السنين
تكشف المواقع الأثرية في الجولان تاريخاً بشرياً يعود إلى عصور موغلة في القدم، مع شواهد على الاستيطان خلال العصر النحاسي والعصر البرونزي، إلى جانب منشآت حجرية ومدافن وآثار تركتها مجتمعات استقرت في المنطقة قبل آلاف السنين.

وتشير الدراسات إلى وجود مجتمعات في الجولان خلال الألفين الخامس والرابع قبل الميلاد، ما يجعل الاستيطان المعروف في المنطقة أقدم بكثير من الفترات الزمنية التي توضع فيها عادة روايات موسى وبني إسرائيل.

ولا يستطيع علم الآثار منح سكان تلك المراحل هويات قومية أو دينية ظهرت بعدهم بآلاف السنين، سواء بوصفهم يهوداً أو عرباً أو غير ذلك، إذ لم تكن تلك التسميات والهويات قد تشكلت بصورتها التاريخية اللاحقة.

كما يكشف ذلك أن تاريخ الجولان السكاني لا يبدأ مع الرواية التوراتية، وإنما يمتد إلى مجتمعات أقدم بكثير، تعاقبت عليها لاحقاً موجات سكانية وكيانات سياسية وثقافات مختلفة.

«أيام موسى».. بين الرواية الدينية والإثبات الأثري
تربط النصوص التوراتية بني إسرائيل بقيادة موسى بمنطقة «باشان»، وتتحدث عن مواجهة عوج ملك باشان، كما ترد فيها تسمية «جولان في باشان»، وهي الرواية التي يستند إليها طرح الوجود في المنطقة منذ زمن موسى.

لكن وجود الرواية في نص ديني يختلف عن إثبات تفاصيلها من خلال مصادر تاريخية وأثرية مستقلة، إذ لا يوجد دليل أثري متفق عليه يثبت استيطاناً يهودياً في الجولان خلال الزمن المنسوب إلى موسى تحديداً.

ويظل البحث الأكاديمي بشأن تاريخية قصة الخروج ومراحل تشكل بني إسرائيل مجالاً للنقاش بين الباحثين، بين من يرى إمكانية احتفاظ الرواية بعناصر أو ذكريات تاريخية قديمة، ومن يشدد على غياب الأدلة المستقلة التي تثبت الأحداث بالصورة التي تقدمها النصوص الدينية.

ولا يحسم غياب الدليل الأثري صحة المعتقد الديني أو ينفيه، لكنه يجعل الانتقال من الرواية الدينية إلى القول بوجود سكاني تاريخي مثبت يحتاج إلى أدلة أخرى لا يوفرها النص وحده.
ويبقى كذلك تحديد موقع «جولان في باشان» الوارد في النصوص القديمة غير محسوم أثرياً بصورة نهائية، مع تعدد المقترحات بشأن موقعه الجغرافي.

هل كانوا يسمون «يهوداً» في زمن موسى؟
تثير العبارة المستخدمة إشكالية أخرى تتعلق بتطور الهوية والمصطلح عبر التاريخ، إذ تتحدث الرواية التوراتية في سياق موسى عن «بني إسرائيل» أو الإسرائيليين، بينما يرتبط مصطلح «يهودي» تاريخياً بيهوذا والتطورات التي شهدتها المنطقة في مراحل لاحقة.

وظهرت التسميات المرتبطة بيهوذا في سياقات تاريخية متأخرة مقارنة بالزمن الذي تنسب إليه قصة موسى، قبل أن يتوسع مدلولها تدريجياً ليشير إلى هوية دينية وإثنية أوسع.

ويجعل ذلك استخدام مصطلح «اليهود» لوصف جماعة زمن موسى تطبيقاً لتسمية لاحقة على مرحلة أقدم، وهو أمر يحتاج إلى التمييز بين الاستخدام المعاصر للكلمة وبين تطورها التاريخي.

متى يظهر الوجود اليهودي المثبت؟
يظهر الوجود اليهودي القابل للتوثيق بصورة أوضح في الجولان خلال مراحل لاحقة من التاريخ القديم، ومن أبرز شواهده مدينة «جاملا»، التي تكشف حفرياتها عن مجتمع يهودي خلال العصر الروماني المبكر وكنيس يعود إلى تلك الفترة.

وسقطت جاملا بيد القوات الرومانية عام 67 للميلاد خلال الثورة اليهودية ضد روما، لتصبح آثار المدينة أحد أبرز الأدلة على وجود مجتمع يهودي منظم في المنطقة خلال القرن الأول للميلاد.

وشهد الجولان في القرون اللاحقة انتشار تجمعات يهودية أخرى، ويظهر ذلك في بقايا الكنس والمباني والنقوش التي عثر عليها في عدد من المواقع، ولا سيما وسط الجولان.

ويبلغ عدد الكنس القديمة المعروفة في المنطقة نحو 30 كنيساً، وتشير الدراسات المتخصصة إلى أن التأريخ المقبول لبناء واستخدام معظمها، باستثناء كنيس جاملا الأقدم، يقع بين القرنين الرابع والسابع للميلاد.

وتقدم هذه المكتشفات دليلاً واضحاً على وجود يهودي مهم في الجولان خلال مراحل من العصور القديمة المتأخرة، لكنها لا تشكل سلسلة أثرية تمتد بصورة متواصلة إلى الزمن المنسوب إلى موسى.

متى تراجع الوجود اليهودي القديم؟
استمرت بعض التجمعات اليهودية إلى بدايات العصر الإسلامي، وتكشف مواقع مثل «قصرين» القديمة عن حياة قرية يهودية وكنيس امتدت من العصر البيزنطي إلى القرون الإسلامية الأولى، إذ تضع الدراسات حياة القرية في نطاق يمتد تقريباً من القرن الرابع حتى القرن الثامن للميلاد.

ولا يسمح علم الآثار بتحديد تاريخ يمكن عنده القول إن آخر فرد يهودي غادر الجولان، لأن غياب التجمعات والمباني لا يثبت عدم وجود أفراد أو عائلات متفرقة.
لكن السجل المعروف لا يظهر في القرون التالية استمرار شبكة التجمعات والقرى اليهودية بالحجم الذي عرفته المنطقة خلال العصرين الروماني والبيزنطي وبدايات العصر الإسلامي، ما يترك فاصلاً زمنياً طويلاً قبل ظهور محاولات استيطان يهودية جديدة في العصر الحديث.

محاولات استيطان جديدة في العهد العثماني
ظهرت خلال أواخر القرن التاسع عشر محاولات يهودية جديدة للاستقرار في الجولان، في سياق مختلف زمنياً وسياسياً عن المجتمعات اليهودية القديمة.
وحاول يهود من صفد خلال ثمانينيات القرن التاسع عشر شراء أراض والاستقرار في المنطقة، وظهرت في هذا السياق مستوطنة «بني يهودا»، التي أقيمت على أراض في جنوب الجولان وواجهت خلال وجودها ظروفاً وصعوبات متعددة.

واستمرت «بني يهودا» بصور متفاوتة حتى عام 1920، عندما انتهى وجودها، وبذلك جاءت التجربة بعد قرون طويلة من تراجع شبكة التجمعات اليهودية القديمة، وليس بوصفها امتداداً سكانياً مباشراً لها.

ويكشف ذلك عن فارق بين إثبات وجود جماعات يهودية في العصور القديمة وبين القول باستمرارية سكانية متصلة حتى العصر الحديث.

مرحلة جديدة بعد احتلال 1967
بدأت مرحلة مختلفة بعد احتلال إسرائيل معظم مرتفعات الجولان خلال حرب حزيران عام 1967، إذ شرعت إسرائيل بعد سيطرتها العسكرية على المنطقة في إقامة تجمعات استيطانية جديدة، قبل توسعها خلال العقود اللاحقة.

ويظهر التسلسل التاريخي بذلك مراحل منفصلة زمنياً، تبدأ بمجتمعات يهودية قديمة موثقة ازدهرت خصوصاً خلال العصور الرومانية والبيزنطية واستمر بعضها إلى بدايات العصر الإسلامي، ثم محاولات استيطان محدودة ظهرت مجدداً في أواخر العهد العثماني، ثم مرحلة الاستيطان الإسرائيلي التي بدأت بعد احتلال معظم الجولان عام 1967.

ولا يقدم هذا التسلسل أساساً أثرياً لوصف الوجود اليهودي في الجولان بأنه سلسلة سكانية متواصلة دون انقطاع منذ الزمن المنسوب إلى موسى وحتى العصر الحديث.

الجولان لم يكن أحادي السكان
تكشف الآثار أن وجود المجتمعات اليهودية خلال العهدين الروماني والبيزنطي تزامن مع وجود جماعات أخرى، ما يجعل صورة المنطقة أكثر تنوعاً من اختزالها في هوية دينية واحدة.

وتظهر النقوش والمباني والمواقع الأثرية وجود بيئة متعددة اللغات والثقافات، إلى جانب شواهد على تجمعات مسيحية ووثنية، فيما شهدت المنطقة في العهد البيزنطي حضوراً عربياً مسيحياً ارتبط بالغساسنة وغيرهم من سكان بلاد الشام.

وتعكس هذه الصورة طبيعة الجولان بوصفه جزءاً من فضاء بلاد الشام الذي شهد حركة سكانية وسياسية مستمرة، وتغيرت تركيبته الدينية والثقافية على امتداد القرون.

العصور الإسلامية لم تكن فراغاً سكانياً
استمر الاستيطان في الجولان بعد انتقال المنطقة إلى الحكم الإسلامي في القرن السابع للميلاد، وتعاقبت عليها العهود الأموية والعباسية والأيوبية والمملوكية، وصولاً إلى الحكم العثماني.

وتكشف المواقع الأثرية عن استمرار النشاط السكاني والعمراني خلال هذه المراحل، بما يناقض تصور أن تراجع التجمعات اليهودية القديمة أدى إلى فراغ سكاني في المنطقة.

وتشير دراسات أثرية حديثة إلى كثافة ملحوظة للاستيطان خلال العصر المملوكي، مع توثيق عدد كبير من المواقع المرتبطة بهذه المرحلة، بما يعكس استمرار وجود القرى والتجمعات والأنشطة الزراعية والاقتصادية في الجولان بعد قرون من نهاية العصر البيزنطي.


وتوضح هذه المعطيات أن تاريخ المنطقة استمر عبر مجتمعات وسكان مختلفين، وأن تغير التركيبة الدينية أو السكانية لم يكن يعني انتهاء الاستيطان البشري فيها.

مجتمع سوري قبل احتلال 1967
تكشف المعطيات التاريخية خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين صورة أكثر وضوحاً لسكان الجولان، إذ انتشرت فيه القرى والتجمعات الزراعية والسكانية، وضم عرباً وشركساً وتركماناً وغيرهم ضمن المجتمع المحلي في المنطقة.

وتشكلت خلال العقود اللاحقة حياة ريفية سورية واسعة، فيما برزت القنيطرة مركزاً حضرياً وإدارياً رئيسياً، واستمرت القرى والمزارع والتجمعات السكانية في المنطقة حتى منتصف القرن العشرين.

وتغيرت الخريطة السكانية بصورة جذرية بعد احتلال إسرائيل معظم الجولان في حزيران 1967، إذ أدت الحرب وما أعقبها إلى نزوح وتهجير معظم السكان السوريين من الأراضي المحتلة، فيما بقي سكان عدد محدود من القرى السورية في شمال المنطقة.

وبدأت إسرائيل عقب الاحتلال إقامة مستوطنات جديدة، لتدخل المنطقة مرحلة سكانية وسياسية مختلفة عن المجتمعات اليهودية القديمة وعن محاولات الاستيطان المحدودة التي شهدها الجولان في أواخر العهد العثماني.

ماذا يبقى من عبارة نتنياهو أمام السجل التاريخي؟
يؤكد السجل الأثري وجود مجتمعات يهودية مهمة في الجولان خلال مراحل من التاريخ القديم، وتركت هذه المجتمعات وراءها كنساً وقرى ونقوشاً ومواقع تقدم أدلة واضحة على وجودها، وهو جانب ثابت في دراسة تاريخ المنطقة.

لكن السجل نفسه لا يثبت أن هذا الوجود بدأ في زمن موسى أو استمر بصورة متصلة منذ ذلك الوقت، إذ يسبق الاستيطان البشري في الجولان الفترة المنسوبة إلى موسى بآلاف السنين، بينما يظهر الوجود اليهودي الموثق بصورة أوضح في مراحل تاريخية لاحقة.

وتراجعت شبكة التجمعات اليهودية القديمة بعد العصر البيزنطي وبدايات العصر الإسلامي، قبل أن تظهر محاولات استيطان جديدة بعد قرون طويلة خلال أواخر القرن التاسع عشر، ثم تنتهي أبرز تلك التجارب في مطلع القرن العشرين، فيما بدأت مرحلة الاستيطان الإسرائيلي الحالية بعد احتلال معظم الجولان عام 1967.

ويجعل ذلك القول بوجود اليهود في الجولان منذ «أيام موسى» مستنداً، في نقطة البداية الزمنية، إلى الرواية التوراتية، بينما يقدم علم الآثار سجلاً أكثر تعقيداً، يتضمن فترات مختلفة من الاستيطان وتحولات سكانية وفواصل زمنية طويلة بين المجتمعات اليهودية القديمة ومحاولات الاستيطان الحديثة.

ويبقى الوضع القانوني للجولان في العصر الحديث منفصلاً عن مسألة وجود جماعات مختلفة فيه خلال العصور القديمة، إذ قرر مجلس الأمن الدولي في قراره رقم 497 لعام 1981 أن قرار إسرائيل فرض قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل باطل ولاغٍ ومن دون أثر قانوني دولي.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ