«سوريا بلا مخيمات».. رؤية تنقل ملف النزوح من إدارة الخيام إلى تهيئة العودة
طرحت سوريا أمام المجتمع الدولي رؤية «سوريا بلا مخيمات» بوصفها مساراً يقوم على معالجة الأسباب التي تمنع النازحين من العودة إلى مناطقهم، عبر توفير الأمان والخدمات الأساسية والبنية التحتية وفرص العمل، بدلاً من اختزال معالجة الملف بإغلاق المخيمات أو إزالة الخيام.
وجاء طرح الرؤية خلال ندوة رفيعة المستوى نظمتها البعثة الدائمة لسوريا لدى الأمم المتحدة في نيويورك، على هامش أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، تحت عنوان «الاستقرار الإقليمي والأمن والعودة المستدامة: حتمية سوريا بلا مخيمات»، بمشاركة مسؤولين سوريين وقيادات في عدد من المؤسسات الأممية والدولية.
ولخص وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح جوهر الرؤية بالتأكيد أن الهدف ليس إزالة المخيمات بحد ذاتها، وإنما إزالة الحاجة إليها، من خلال تهيئة الظروف التي تسمح للعائلات بالعودة الطوعية والآمنة والكريمة والمستدامة إلى مناطقها الأصلية.
من تمويل الاستجابة إلى تمويل الحلول
أوضح الصالح في تصريح لوكالة "سانا" أن التحرك السوري يركز على بناء شراكات جديدة تنقل جانباً من الدعم الدولي من إدارة تداعيات النزوح إلى تمويل حلول تساعد على إنهائه، عبر إزالة الألغام ومخلفات الحرب والأنقاض، وتأهيل المناطق المتضررة وإعادة الخدمات الأساسية إليها.
وبين أن الرؤية لا تقوم على مطالبة العائلات بمغادرة المخيمات والعودة إلى مناطق مدمرة أو تفتقر إلى مقومات الحياة، وإنما على توفير البديل أولاً، من خلال إعادة تأهيل المدارس والمراكز الصحية وشبكات المياه والصرف الصحي والبنى التحتية، بالتوازي مع توفير فرص العمل ومصادر الدخل التي تساعد السكان على الاستقرار.
وأكد أن العودة لن تكون إلزامية، وأن إنهاء المخيمات يرتبط بقدرة الدولة وشركائها على توفير الظروف التي تجعل العائلة قادرة على مغادرة الخيمة طوعاً، بدلاً من التعامل مع إزالة المخيم باعتبارها هدفاً منفصلاً عن واقع المناطق التي سيعود إليها سكانه.
وتتقاطع هذه الرؤية مع توجهات دولية تربط العودة المستدامة بتوفير شروط الاستقرار والخدمات وفرص العيش، وعدم الاكتفاء بالمساعدات الإنسانية طويلة الأمد، بما يجعل التعافي المحلي وإعادة بناء المجتمعات جزءاً أساسياً من معالجة النزوح.
مشاريع تهيئ مناطق العودة
أشار الصالح إلى إطلاق 300 مشروع بتمويل من موازنة الدولة في عدد من المناطق المستهدفة بالعودة، تشمل قطاعات الطرق والمياه والخدمات الصحية وغيرها من الاحتياجات الأساسية، بالتوازي مع العمل على حشد تمويل لمشاريع إضافية من جهات مختلفة.
وتستهدف هذه المشاريع معالجة جانب من العقبات التي تحول دون عودة السكان، إذ لا يرتبط قرار العودة بوجود منزل فقط، وإنما بقدرة الأسرة على الوصول إلى المياه والتعليم والرعاية الصحية ووسائل النقل والعمل وغيرها من الخدمات الضرورية للاستقرار.
ويأتي هذا المسار ضمن عمل حكومي أوسع بدأ مع صدور المرسوم رقم 59 لعام 2026، الذي نص على تشكيل لجنة برئاسة وزير الطوارئ وإدارة الكوارث وعضوية عدد من الوزارات والمحافظات والجهات المعنية، تتولى العمل على تهيئة البنى التحتية في المناطق المدمرة تمهيداً لعودة الأهالي إليها.
وتابعت اللجنة خلال الأشهر الماضية واقع المخيمات واحتياجات مناطق العودة، وعقدت لقاءات مع الجهات المحلية ووجهاء ومديري مخيمات، في إطار إعداد الخطط المرتبطة بتهيئة المناطق المتضررة وتعزيز العودة الطوعية.
العودة تبدأ من الأمان والخدمات
تضع الرؤية السورية مجموعة من المتطلبات قبل الانتقال من المخيم إلى المنطقة الأصلية، تبدأ بإزالة الألغام ومخلفات الحرب والركام، وتمتد إلى إعادة تأهيل البنية التحتية والمدارس والمراكز الصحية وشبكات المياه والصرف الصحي والطرق.
وتكتسب إزالة الألغام أهمية خاصة في هذا المسار، باعتبار أن وجود مخلفات الحرب في مناطق واسعة يشكل خطراً مباشراً على السكان ويعرقل إعادة استخدام الأراضي والمنازل والطرق، ما يجعل التعامل معها خطوة أساسية قبل توسيع عمليات العودة.
ولا تنتهي متطلبات العودة عند إعادة الخدمات، إذ يرتبط الاستقرار أيضاً بوجود نشاط اقتصادي وفرص عمل تسمح للعائلات بتأمين احتياجاتها والاستمرار في مناطقها، بدلاً من العودة المؤقتة ثم النزوح مجدداً نتيجة غياب مصادر الدخل.
عودة واسعة وتحديات مستمرة
تأتي رؤية «سوريا بلا مخيمات» بالتزامن مع حركة عودة واسعة للسوريين من الخارج، إذ بلغ عدد اللاجئين العائدين إلى سوريا من الدول الأخرى نحو 1.8 مليون شخص حتى مطلع أيلول 2026.
ولا يعني ارتفاع أعداد العائدين انتهاء تحديات النزوح، إذ ما تزال أعداد كبيرة من الأسر تعيش داخل المخيمات، في وقت تحتاج مناطق واسعة إلى إعادة تأهيل المساكن والبنى التحتية واستعادة الخدمات الأساسية قبل أن تصبح قادرة على استقبال مزيد من السكان بصورة مستدامة.
وكان الصالح قد أشار خلال أيلول الجاري إلى إغلاق أكثر من 200 مخيم، مع بقاء نحو 141 ألف أسرة في المخيمات، مؤكداً استمرار العمل للوصول إلى تنفيذ رؤية «سوريا بلا مخيمات» في أيلول 2027.
سوريا شريك في الحل
يتجاوز التوجه المطروح طلب التمويل الدولي إلى بناء شراكات تستهدف تبادل الخبرات وتعزيز القدرات السورية في مجالات إزالة الألغام والتعافي وإدارة الكوارث وتأهيل المناطق المتضررة، مع السعي إلى أن تكون الأولويات الوطنية أساساً لتوجيه المشاريع والتمويل.
ويقوم هذا التصور على الانتقال تدريجياً من نموذج الاستجابة الطارئة، الذي يركز على تأمين الاحتياجات داخل المخيمات، إلى نموذج يستثمر الموارد في معالجة الأسباب التي تجعل بقاء المخيم ضرورياً، بما يسمح بتحويل الإنفاق من إدارة النزوح إلى تهيئة العودة والاستقرار.
لا عودة قسرية
أكد الصالح أن الحكومة لا تعتزم إجبار العائلات على مغادرة المخيمات، وأن مسؤوليتها تتمثل في توفير الظروف التي تسمح لها باتخاذ قرار العودة بصورة طوعية، مع وجود مقومات الأمان والخدمات والحياة الكريمة في مناطقها.
ويشكل هذا المبدأ أحد المحاور الأساسية للرؤية المطروحة، إذ لا يقاس نجاحها بعدد المخيمات التي تغلق أو الخيام التي تزال، وإنما بقدرة الأسر على العودة والاستقرار دون أن تجد نفسها مضطرة إلى النزوح مجدداً بسبب الدمار أو انعدام الخدمات وفرص العمل.
وتضع رؤية «سوريا بلا مخيمات» بذلك ملف النزوح ضمن مسار أوسع للتعافي وإعادة تأهيل المناطق المتضررة، في محاولة للانتقال من إدارة واقع المخيمات إلى معالجة الظروف التي أوجدتها وأبقتها قائمة، على أن يرتبط نجاح هذا المسار بحجم المشاريع المنفذة وقدرتها على توفير شروط عودة طوعية وآمنة ومستدامة للسكان.