من مشاجرة إلى مأساة.. كيف يحوّل انتشار السلاح الخلافات إلى مواجهات دامية؟
من مشاجرة إلى مأساة.. كيف يحوّل انتشار السلاح الخلافات إلى مواجهات دامية؟
● مجتمع ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦

من مشاجرة إلى مأساة.. كيف يحوّل انتشار السلاح الخلافات إلى مواجهات دامية؟

أعاد مقتل خمسة أشخاص في اشتباك مسلح اندلع عقب مشاجرة على خلفية نزاع يتعلق بقطعة أرض في منطقة دير حافر بريف حلب الشرقي، تسليط الضوء على المخاطر التي يفرضها انتشار السلاح عندما ينتقل من وسيلة يفترض أن تخضع لضوابط قانونية إلى أداة حاضرة في الخلافات الشخصية والعائلية. 

وتكشف الحادثة كيف يمكن لخلاف محدود أن يتصاعد خلال وقت قصير إلى مواجهة دامية عندما يكون السلاح متاحاً للأطراف، إذ تضيق مساحة الحوار والاحتواء، وتزداد احتمالات اتخاذ قرارات اندفاعية يصعب التراجع عنها بمجرد بدء إطلاق النار.

وتتجاوز خطورة الظاهرة أطراف النزاع أنفسهم، إذ يمكن أن تطال تداعياتها أفراد الأسرة والجيران والمارة، فضلاً عن آثارها النفسية والاجتماعية طويلة الأمد، ما يطرح تساؤلات حول أسباب اقتناء المدنيين للسلاح، وتأثير سهولة الوصول إليه في لحظات الغضب، ودور الأسرة والمجتمع والقانون في الحد من تحوله إلى وسيلة لحسم النزاعات.

السلاح في قلب الخلافات اليومية
قالت المعالجة النفسية والمستشارة الأسرية عزة كردي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن انتشار السلاح يرتبط في كثير من الحالات بضعف الشعور بالأمان والخوف من المستقبل وتجارب العنف السابقة، إضافة إلى اعتقاد بعض الأشخاص بأن امتلاك السلاح يمنحهم الحماية والقدرة على الدفاع عن أنفسهم.

وأوضحت كردي أن الضغوط الاجتماعية وتأثير المحيط والاعتياد على رؤية السلاح قد تسهم أيضاً في تشجيع اقتنائه، محذرة من أن دخوله في تفاصيل الحياة اليومية يجعل الخلافات أكثر خطورة، إذ يمكن أن تنتقل المشكلة سريعاً من نقاش أو مشادة كلامية إلى التهديد أو الاعتداء المسلح.

وأضافت أن مجرد معرفة أطراف الخلاف بوجود سلاح قد ترفع مستوى الخوف والتوتر، وتضعف فرص الحوار والاحتواء، بما يزيد احتمالات تحول النزاع إلى عنف، في حين يخلق وجود السلاح داخل المنزل شعوراً متناقضاً بين من يراه وسيلة للحماية، ومن يشعر بالخوف من إمكانية استخدامه في لحظة غضب أو انفعال.

وبينت أن الخطر يتزايد داخل الأسر التي تعاني أصلاً من توترات أو خلافات، إذ يمكن أن يتحول وجود السلاح إلى عامل إضافي يفاقم الشعور بعدم الأمان، ويؤثر في الثقة والاستقرار والعلاقات بين أفراد الأسرة.

ورأت كردي أن الحد من الظاهرة لا يتوقف عند ضبط السلاح وحده، بل يبدأ أيضاً بتعزيز الشعور بالأمان عبر وسائل مدنية ومجتمعية، والتوعية بمخاطر وجود السلاح داخل المنازل، ولا سيما بالنسبة إلى الأطفال والشباب، إلى جانب دعم برامج حل النزاعات وإدارة الغضب وتنمية مهارات التواصل.

وأكدت أهمية التعاون بين المؤسسات المختصة والمجتمع المدني ووسائل الإعلام لترسيخ ثقافة ترى في الحوار والقانون الوسيلة الطبيعية لمعالجة الخلافات، بدلاً من التعامل مع السلاح باعتباره استجابة مباشرة للخوف أو النزاع.

حين يقترب السلاح من لحظة الغضب
قالت المتخصصة في التربية الخاصة والصحة النفسية آمنة عمر إسماعيل، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن آثار انتشار السلاح لا تتوقف عند احتمالات استخدامه، بل تمتد إلى الطريقة التي ينظر بها الفرد إلى محيطه ويتفاعل من خلالها مع المواقف اليومية.

وأوضحت إسماعيل أن الاعتياد على وجود السلاح قد يجعل بعض الأشخاص أكثر حساسية تجاه التهديدات، ويدفعهم إلى تفسير مواقف عادية باعتبارها خطراً محتملاً، ما يضعهم في حالة من الاستنفار النفسي المستمر ويزيد مستويات القلق والتوتر.

وأضافت أن الفرد في المواقف الضاغطة قد يصبح أكثر ميلاً إلى الحلول القسرية عندما يكون السلاح متاحاً، في مقابل تراجع الاعتماد على الحوار ومهارات حل المشكلات، بينما قد يولد امتلاكه لدى بعض الأشخاص شعوراً بالقوة ينعكس على طريقة تعاملهم مع الآخرين.

وأشارت إلى أن سهولة الوصول إلى السلاح تزيد خطورة القرارات الاندفاعية، إذ تقل المسافة الزمنية بين لحظة الانفعال وإمكانية تحويله إلى فعل، ما يجعل وجود السلاح في متناول شخص غاضب عاملاً يمكن أن يرفع احتمالات التصعيد ويضاعف نتائجه.

ولفتت إلى أن الخطر يصبح أكثر حساسية لدى المراهقين، نظراً إلى استمرار تطور القدرات المرتبطة بضبط الاندفاع واتخاذ القرار، إضافة إلى تأثير التعلم الاجتماعي، إذ يمكن لتكرار مشاهدة استخدام السلاح أثناء الخلافات أن يجعل العنف يبدو سلوكاً مألوفاً أو مقبولاً في نظر بعضهم.

الأطفال أمام مشاهد العنف
بينت إسماعيل أن الأطفال قد يتأثرون بصورة خاصة بمشاهد إطلاق النار والعنف المسلح، إلا أن طريقة ظهور الأثر تختلف بحسب العمر والظروف المحيطة بالطفل وطبيعة تعرضه للحادثة.

وأوضحت أن الأطفال الأصغر سناً قد تظهر لديهم أعراض مثل التبول اللاإرادي أو التعلق الزائد بالوالدين، فيما يمكن أن يعاني الأطفال في سن المدرسة من الكوابيس أو تراجع الأداء الدراسي أو السلوك العدواني، بينما قد تظهر لدى المراهقين أعراض مرتبطة بالعزلة أو الاكتئاب أو الاعتياد على مشاهد العنف.

وأضافت أن التعرض المتكرر لمثل هذه المشاهد قد يترك آثاراً تراكمية تشمل استرجاع الأحداث وفرط التيقظ واضطراب الشعور بالأمان، في حين يمكن لوجود شخص بالغ داعم وروتين يومي مستقر وحوار مفتوح وأنشطة بديلة أن يخفف من هذه التداعيات.
وذكرت أن من العلامات التي تستدعي الانتباه ظهور تغيرات مستمرة في السلوك، مثل الغضب المفاجئ أو البكاء المتكرر أو الخوف والعدوانية والانسحاب الاجتماعي وتراجع الدراسة واضطرابات النوم وصعوبة التركيز وفقدان الشعور بالأمان.

وأشارت إلى أهمية طلب الدعم المتخصص عندما تستمر الأعراض أو تؤثر بصورة واضحة في النوم أو الدراسة أو العلاقات والحياة اليومية، ولا سيما عند ظهور أفكار تتعلق بإيذاء النفس أو الآخرين أو استمرار الكوابيس واسترجاع التجارب الصادمة.

وأكدت أن الاستجابة تتطلب عملاً على أكثر من مستوى، يشمل الإرشاد التربوي والدعم النفسي وتأهيل الأسرة، إلى جانب برامج مدرسية ومجتمعية تعزز مهارات إدارة الغضب والحوار وحل المشكلات بعيداً عن العنف.

الحيازة والاستخدام تحت طائلة القانون
قال المحامي باسل محمد موسى، المسجل لدى نقابة المحامين في دمشق، في تصريح سابق لشبكة شام الإخبارية، إن حيازة الأسلحة في سوريا تخضع لقانون الأسلحة والذخائر الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 51 لعام 2001 وتعديلاته، ومن بينها القانون رقم 14 لعام 2022. وتؤكد النصوص المنشورة أن حمل أو حيازة المسدسات الحربية وبنادق الصيد وذخائرها يتطلب ترخيصاً مسبقاً. 

وأوضح موسى أن الإطار القانوني يميز بين الأسلحة التي يمكن الترخيص بحيازتها ضمن الشروط المحددة والأسلحة الحربية الممنوعة على الأفراد، كما يضع قيوداً على حمل الأسلحة واستخدامها، بما يجعل حيازة السلاح أو حمله خارج الضوابط القانونية عرضة للمساءلة.

وأشار إلى أن المسؤولية القانونية تصبح أشد عندما ينتقل الأمر من مجرد الحيازة إلى الاستخدام وإطلاق النار، ولا سيما عندما يؤدي ذلك إلى إصابة أشخاص أو وفاتهم، إذ تدخل عندها أفعال أخرى ونتائج جرمية يمكن أن تغير الوصف القانوني للقضية والعقوبات المترتبة عليها.

ولفت إلى أن انتشار الأسلحة غير المسجلة أو وجودها لدى أشخاص غير مدربين يصعّب عمليات الرقابة والتتبع، ويزيد احتمالات استخدامها بصورة خاطئة أو اندفاعية، بما يمكن أن يحول المناسبات الاجتماعية أو الخلافات العائلية والشخصية إلى حوادث دامية.

وأكد موسى أهمية حصر استخدام القوة المسلحة ضمن مؤسسات الدولة وتطبيق القانون، معتبراً أن ضبط انتشار السلاح يسهم في الحد من الجرائم والنزاعات المسلحة وحوادث إطلاق النار، ويمنع تحول الخلافات التي يمكن حلها قانونياً أو اجتماعياً إلى مواجهات يصعب احتواؤها.

وأشار في الوقت نفسه إلى تحديات يمكن أن تواجه إنفاذ القانون، من بينها الضغوط الاجتماعية والوساطات والخوف من التبليغ خشية الانتقام، وهي عوامل قد تعرقل وصول بعض القضايا إلى الجهات المختصة أو تحد من قدرة المتضررين والشهود على تقديم المعلومات.

وأوضح أن المتضرر يستطيع التوجه إلى الجهات الأمنية المختصة لتنظيم ضبط بالحادثة وتقديم المعلومات المتعلقة بها وتحديد الشهود، كما يمكنه اللجوء إلى القضاء والمطالبة بحقه الشخصي والتعويض عن الأضرار وفق الإجراءات القانونية المعمول بها.

ودعا إلى تعزيز التوعية المجتمعية بخطورة السلاح غير المرخص، وتطبيق القانون بصورة متساوية، وتوفير قنوات آمنة للإبلاغ، إلى جانب دراسة إجراءات تساعد على جمع الأسلحة غير القانونية وضبط تداولها ومنع وصولها إلى الخلافات اليومية.

الوقاية تبدأ قبل إطلاق الرصاصة
تكشف حادثة دير حافر أن خطورة انتشار السلاح لا ترتبط بعدد القطع الموجودة بين المدنيين فحسب، وإنما بسهولة انتقاله من مكان الحيازة إلى قلب نزاع كان من الممكن أن يبقى في حدود خلاف شخصي أو عائلي.

ويجعل ذلك الوقاية مرتبطة بمسارين متوازيين، أولهما قانوني يقوم على تنظيم الحيازة وضبط السلاح غير المرخص ومحاسبة الاستخدام غير القانوني، وثانيهما اجتماعي ونفسي يركز على معالجة الخلافات قبل تصاعدها وتعزيز ثقافة الحوار وإدارة الغضب واللجوء إلى المؤسسات المختصة.

ويبقى تقليص مخاطر السلاح مسؤولية مشتركة تبدأ بمنع تطبيع وجوده كوسيلة لحسم النزاعات، وتعزيز ثقة الأفراد بالقانون وآليات حل الخلافات، وصولاً إلى بيئة يصبح فيها الاحتكام إلى الحوار والقضاء بديلاً عن لحظة غضب قد تحول خلافاً محدوداً إلى خسائر لا يمكن تداركها.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ