فرط الحركة عند الأطفال.. كيف نميز الاضطراب عن التشتت وفرط النشاط؟
يظهر التشتت وكثرة الحركة والاندفاع بدرجات متفاوتة لدى كثير من الأطفال، ولا تعني هذه السلوكيات بالضرورة وجود اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، إذ يرتبط التمييز بين السلوك الطبيعي والاضطراب باستمرار الأعراض وشدتها ومدى توافقها مع عمر الطفل وتأثيرها في التعلم والعلاقات والحياة اليومية.
ومع انتشار معلومات ومفاهيم مختلفة حول الاضطراب، تزداد أهمية التقييم المتخصص قبل الوصول إلى أي تشخيص، إلى جانب دور الأسرة والمدرسة في ملاحظة الأعراض وفهمها وتوفير بيئة تساعد الطفل على التعامل معها.
ثلاث مجموعات رئيسية من الأعراض
قال الأخصائي النفسي السريري بيرم جمعة، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة يُعد من الاضطرابات التي تحظى باهتمام واسع في الأوساط الطبية والاجتماعية، مشيراً إلى أنه ثاني أكثر الاضطرابات النفسية شيوعاً في مرحلة الطفولة.
وأوضح أن تقديم صورة علمية واضحة عن الاضطراب يساعد في تصحيح المفاهيم الخاطئة وتوجيه الأسر نحو الدعم المناسب، مبيناً أن ADHD حالة عصبية تطورية تتسم بثلاث مجموعات رئيسية من الأعراض، هي عدم الانتباه وفرط النشاط والاندفاعية.
وأضاف أن هذه الأعراض لا تقتصر عادة على موقف أو بيئة واحدة، وإنما تظهر في أكثر من سياق، مثل المنزل والمدرسة، مع إمكانية اختلاف شدتها وطريقة ظهورها بحسب الظروف المحيطة.
متى يكون التشتت طبيعياً؟
أشار جمعة إلى أن سلوك الأطفال يشمل طيفاً واسعاً من مستويات النشاط والانتباه، ويتأثر بالعمر والبيئة والثقافة والمواقف المختلفة، ولذلك فإن مرور الطفل بفترات من التشتت أو زيادة الحركة لا يعني تلقائياً إصابته بالاضطراب.
وأوضح أن أحد المعايير الأساسية التي يعتمد عليها المتخصصون في التمييز هو «الاختلال الوظيفي»، فالنشاط أو التشتت الطبيعي لا يسببان عادة خللاً مستمراً ومؤثراً في حياة الطفل، بينما ترتبط أعراض ADHD بتأثير واضح في الأداء اليومي.
كما ينبغي، بحسب جمعة، أن تكون الأعراض غير متوافقة مع المستوى التطوري والعُمري للطفل، وهو ما يجعل التشخيص عملية تتجاوز مجرد ملاحظة أنه كثير الحركة أو سريع التشتت.
لماذا يحدث الاضطراب؟
بيّن جمعة أن اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة لا ينشأ عن سبب منفرد، وإنما يرتبط بتفاعل معقد بين عوامل وراثية وبيئية وعصبية.
وأشار إلى أن الدراسات التي استند إليها تقدر نسبة التوريث بنحو 70 إلى 80 بالمئة، مع وجود ارتباط بعوامل جينية تؤثر في نظام الدوبامين في الدماغ.
وعلى المستوى العصبي، تحدث عن دراسات تصوير أظهرت اختلافات في بعض مناطق الدماغ وتأخراً في النضوج ووجود تغيرات في التطور التشريحي والوظيفي بين أجزائه المختلفة.
أما العوامل البيئية، فأوضح أنها قد تتفاعل مع الاستعداد الوراثي، ومنها المحن النفسية والاجتماعية المبكرة، والحرمان الشديد، إضافة إلى عوامل مرتبطة بالحمل والولادة، مثل التدخين أو تناول الكحول خلال الحمل، وانخفاض الوزن عند الولادة والخداج ونقص التغذية والتعرض لبعض السموم البيئية.
تأثير يتجاوز الصف الدراسي
لا تقتصر آثار ADHD، وفق جمعة، على قدرة الطفل على التركيز داخل الصف، إذ قد يواجه المصاب صعوبات في التعلم نتيجة ضعف الانتباه وعدم الاستمرار في إنجاز المهام، كما قد تزيد الاندفاعية من احتمالات تعرضه للحوادث.
ولفت، في تصريح خاص لـ«شام»، إلى أن بعض الأطفال قد تظهر لديهم مشكلات سلوكية واجتماعية، مثل العصيان ونوبات الغضب، وقد يكونون أكثر عرضة للتنمر أو التأثر بالآخرين.
وأضاف أن بعض مظاهر فرط الحركة قد تتراجع مع التقدم في العمر، لكن صعوبات مرتبطة بالتنظيم والانتباه والأداء الوظيفي قد تستمر لدى بعض الأشخاص في مرحلة البلوغ، وتنعكس على الدراسة والعمل والعلاقات الاجتماعية والمهنية.
التشخيص لا يعتمد على عرض واحد
أكد جمعة أن تشخيص اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة يعتمد على مجموعة من المعايير المحددة في الأدلة التشخيصية، ولا يقوم على ملاحظة عرض منفرد أو سلوك مؤقت.
وبحسب ما أوضحه، يتطلب التشخيص استمرار الأعراض لمدة ستة أشهر على الأقل وبدرجة تؤثر في الأداء، إلى جانب ظهورها منذ مرحلة الطفولة، مع اختلاف بعض المعايير العمرية بين التصنيفات التشخيصية التي يستند إليها المختصون.
ويعني ذلك أن وصف طفل بأنه مصاب بـADHD بسبب كثرة الحركة أو ضعف التركيز وحدهما لا يكفي للوصول إلى التشخيص، وإنما يحتاج الأمر إلى تقييم متخصص لطبيعة الأعراض واستمرارها وتأثيرها في أكثر من جانب من حياته.
العلاج مسارات متكاملة
أوضح جمعة أن خيارات التعامل مع الاضطراب تشمل مجموعة من التدخلات النفسية والاجتماعية والتعليمية، مشيراً إلى أهمية تدريب الوالدين، إلى جانب التدخلات المعرفية السلوكية المناسبة للطفل وتدريب المهارات الاجتماعية وتوفير الدعم داخل المدرسة.
وأضاف أن العلاج الدوائي يستخدم أيضاً للسيطرة على الأعراض الأساسية وفق تقييم المختصين، ويشمل خيارات دوائية منشطة وغير منشطة، فيما قد تستفيد نسبة محدودة من الأطفال، بحسب قوله، من تدخلات غذائية محددة.
وشدد على أن التعامل مع ADHD لا ينبغي أن يقتصر على تخفيف الأعراض، وإنما يحتاج إلى نهج يراعي احتياجات الطفل ويجمع بين بناء مهارات التأقلم والدعم النفسي والاجتماعي وتعاون الأسرة والمدرسة.
الأسرة والمدرسة جزء من الدعم
يمثل فهم طبيعة الاضطراب وتجنب تفسير سلوك الطفل باعتباره كسلاً أو سوء انضباط خطوة مهمة في طريقة التعامل معه، فيما يساعد توفير بيئة داعمة ومتقبلة على تطوير مهاراته في التنظيم والتعلم والتفاعل الاجتماعي.
ويبقى التمييز بين اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة وبين النشاط والتشتت الطبيعي مرتبطاً بالتقييم المتخصص، فيما يشكل تعاون الأسرة والمدرسة ومتابعة تأثير الأعراض في حياة الطفل أساساً لاختيار التدخل المناسب وتقديم الدعم الذي يحتاج إليه.