عقوبة الإعدام في القانون السوري.. من الجرائم المعاقب عليها إلى الطعن وضمانات ما قبل التنفيذ
تثير أحكام الإعدام الصادرة في عدد من القضايا خلال الفترة الأخيرة تساؤلات حول موقع هذه العقوبة في التشريع السوري، والجرائم التي يمكن أن تقود إليها، والمسار القضائي الذي يمر به الحكم قبل اكتسابه الدرجة القطعية، وصولاً إلى دور محكمة النقض ولجنة العفو وموافقة رئيس الدولة قبل التنفيذ.
وتزداد أهمية معرفة هذه الإجراءات مع اختلاف طبيعة القضايا التي صدرت فيها أحكام بالإعدام، بين جرائم قتل وقضايا أخرى ذات أوصاف جرمية مختلفة، فيما يبقى صدور الحكم بداية لمسار قانوني يتضمن مراحل للطعن والمراجعة قبل الوصول إلى التنفيذ.
أين يفرض القانون عقوبة الإعدام؟
قال رئيس اللجنة الدستورية والتشريعية في مجلس الشعب المحامي عبد الناصر حوشان، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن عقوبة الإعدام وردت في التشريع السوري ضمن العقوبات المقررة لعدد من الجرائم الخطيرة الواقعة على الأشخاص أو على أمن الدولة، كما تناول في حديثه موقع العقوبة في الفقه الإسلامي وأحكام القصاص والحدود والتعزير.
وأوضح حوشان أن الجرائم الواقعة على أمن الدولة التي قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، وفق الحالات والشروط الواردة في النصوص القانونية التي استعرضها، تشمل حمل السلاح في صفوف العدو وفق المادة 263/1، ودس الدسائس لدى دولة أجنبية لدفعها إلى العدوان على سوريا إذا أفضى الفعل إلى النتيجة المنصوص عليها في المادة 264/1، إلى جانب الاتصال بالعدو أو معاونته على فوز قواته وفق المادة 265.
وأضاف أن المادة 266 تتناول أفعالاً مرتبطة بشل الدفاع الوطني في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها وفي الحالات التي حددها النص، فيما تتناول المادة 298 الاعتداء الهادف إلى إثارة الاقتتال الطائفي أو النزاع المسلح الداخلي إذا أفضى إلى الاقتتال، كما تتناول المادة 305 حالات محددة مرتبطة بالمؤامرة وما ينتج عنها من تخريب أو تعطيل للمواصلات والاتصالات أو وفاة إنسان.
القتل والحريق والعصابات
وأشار حوشان إلى أن العقوبة تظهر أيضاً في الجرائم الواقعة على الأشخاص، ومنها الحالات المنصوص عليها في المادة 326 والمتعلقة بعصابات الأشرار عندما تقترن الجناية بالقتل أو محاولة القتل أو تعذيب المجني عليهم وفق الشروط التي يحددها النص.
وذكر أن المادة 535 تتناول صوراً مشددة من القتل القصدي، ومنها الحالات التي يقع فيها القتل عمداً، أو تمهيداً لجناية أو تسهيلاً أو تنفيذاً لها، أو لتسهيل فرار المشاركين فيها أو الحيلولة دون معاقبتهم، إضافة إلى الحالات الأخرى التي أوردتها المادة.
ولفت حوشان إلى وجود حالات أخرى ترتبط بالوفاة الناجمة عن جرائم الحريق وفق المادة 577، مؤكداً أن تحديد العقوبة في كل قضية يرتبط بالوصف القانوني للواقعة والظروف التي تثبت أمام المحكمة، وليس بمجرد وقوع الجريمة بصورتها العامة.
الإعدام في قوانين خاصة
وأوضح حوشان أن عقوبة الإعدام لم ترد في قانون العقوبات وحده، وإنما نصت عليها قوانين خاصة أيضاً، مستشهداً بقانون المخدرات رقم 2 لعام 1993، الذي يتضمن عقوبات مرتبطة بتصنيع المخدرات وزراعتها وتهريبها والاتجار بها.
وبيّن أن المادتين 39 و40 من القانون تتضمنان حالات مشددة، من بينها التكرار، وارتكاب بعض الجرائم من شخص مكلف بمكافحة المخدرات، أو استخدام قاصر، أو الارتباط بعصابات دولية، أو استغلال السلطة والنفوذ والحصانة، إضافة إلى ارتكاب الأفعال المحددة قانوناً في بعض المؤسسات والأماكن التي منحها المشرع حماية خاصة.
وأضاف أن قانون الحراج رقم 39 لعام 2023 نص، وفق المادة 43/ب، على الإعدام في حالة إضرام النار قصداً في حراج الدولة بدافع الإضرار بالاقتصاد الوطني عندما يؤدي الحريق إلى وفاة إنسان، مع شمول النص صور التحريض أو التدخل أو المشاركة وفق شروطه القانونية.
الحكم لا يعني التنفيذ مباشرة
وأكد حوشان أن صدور حكم بالإعدام لا يقود إلى تنفيذه فوراً، إذ يخضع الحكم لمسار قضائي يبدأ بإمكانية الطعن أمام محكمة النقض، موضحاً أن مهلة الطعن تبدأ من اليوم التالي لصدور الحكم وتبلغ ثلاثين يوماً وفق الحالة القانونية التي تحدث عنها.
وأشار إلى أن المحكوم عليه يملك حق الطعن، كما تملك النيابة العامة صلاحيات في هذا الجانب، وفي الأحكام الوجاهية بالإعدام يتوجب عليها، بحسب حوشان، عرض القضية على محكمة النقض مشفوعة بمذكرة تتضمن رأيها في الحكم ضمن المدة التي يحددها القانون.
وأوضح أن محكمة النقض تبحث، عند نظر الطعن للمرة الأولى، في سلامة تطبيق القانون والإجراءات، فإذا وجدت سبباً للنقض أعادت القضية إلى المحكمة لمعالجة الخلل وإعادة المحاكمة، أما إذا صدقت الحكم وفق الإجراءات المقررة فإنه ينتقل إلى مرحلة الإبرام.
وبيّن أن وضع القضية يختلف عندما تصل إلى محكمة النقض للمرة الثانية بعد نقض سابق، إذ تستطيع المحكمة عند توافر الشروط القانونية أن تفصل في الموضوع، ولها تحديد جلسة لنظره واتباع الإجراءات المقررة للجريمة محل الطعن.
لجنة العفو قبل التنفيذ
وشدد حوشان على أن اكتساب حكم الإعدام الدرجة القطعية لا يعني الانتقال تلقائياً إلى التنفيذ، إذ تمر القضية بمرحلة أخرى تتعلق بلجنة العفو، مؤكداً أن الحكم لا ينفذ إلا بعد استطلاع رأي اللجنة وموافقة رئيس الدولة.
وذكر أن لجنة العفو تتألف من خمسة قضاة من المرتبة الأولى يعينون بمرسوم، وتتولى دراسة طلبات العفو الخاص، كما تحال إليها أوراق قضايا الإعدام مع تقرير النائب العام لدى المحكمة التي أصدرت الحكم، لتدرس القضية والأدلة والأسباب التي يمكن أن تبرر إنفاذ العقوبة أو استبدالها.
وأوضح أن اللجنة تبدي رأيها سراً، بالإجماع أو بالأغلبية، ثم ترفع تقريرها إلى وزير العدل لاستكمال الإجراءات القانونية، فيما يستطيع المحكوم عليه أو وكيله أو أحد أفراد أسرته تقديم طلب للعفو الخاص وفق الأصول القانونية.
كيف يجري التنفيذ؟
وبيّن حوشان أن التشريع يحدد إجراءات تفصيلية لتنفيذ الحكم بعد استكمال المراحل السابقة، موضحاً أن العقوبة تنفذ شنقاً داخل السجن أو في المكان الذي تحدده الجهة المختصة وفق الإجراءات القانونية، مع وجود قيود تتعلق بموعد التنفيذ، ومنها حظر التنفيذ أيام الجمع والأعياد الوطنية والدينية، وتأجيل تنفيذ الحكم بحق المرأة الحامل إلى ما بعد وضع حملها.
وأضاف أن التنفيذ يتم بحضور مجموعة من الأشخاص الذين يحددهم القانون، من بينهم ممثلون عن القضاء والنيابة العامة وإدارة السجن، وكاتب المحكمة ومحامي المحكوم عليه وطبيب السجن أو الطبيب الشرعي ورجل دين من الطائفة التي ينتمي إليها المحكوم عليه.
وأشار إلى أن المحكوم عليه يُسأل قبل التنفيذ عما إذا كان يريد الإدلاء بأقوال أخيرة، وتثبت أقواله في محضر خاص، كما ينظم محضر رسمي بإنفاذ الحكم ويوقعه الأشخاص المحددون قانوناً، وتطبق بشأن نشر تفاصيل التنفيذ القيود التي نص عليها القانون.
حالات قد تمنع التنفيذ
وأكد حوشان أن الفترة الفاصلة بين إبرام الحكم وتنفيذه قد تشهد ظروفاً تؤثر في مصير العقوبة، معتبراً أن مراجعة لجنة العفو وموافقة رئيس الدولة تمثلان من الضمانات القانونية الأخيرة غير القضائية قبل التنفيذ.
وأوضح أن بعض قضايا القصاص قد ترتبط بحقوق أولياء الدم، ومن بينها وجود ولي دم قاصر بما قد يؤدي، وفق الحالة وأحكامها القانونية والشرعية، إلى تأخير التنفيذ إلى حين بلوغه وإمكانية ممارسة حقه.
وذكر أن وفاة المحكوم عليه، والعفو، والصلح وإسقاط الحق الشخصي في الحالات التي يرتب عليها القانون هذا الأثر، إضافة إلى صدور عفو عام يشمل الحالة، يمكن أن تؤثر في العقوبة أو تنفيذها بحسب طبيعة القضية والنصوص المطبقة عليها.
ويظهر المسار الذي شرحه حوشان أن عقوبة الإعدام تمر بعدة مراحل تبدأ بالمحاكمة وإصدار الحكم، ثم الطعن ومراجعة محكمة النقض واكتساب الحكم الدرجة القطعية، قبل الانتقال إلى لجنة العفو وموافقة رئيس الدولة وإجراءات التنفيذ، فيما تبقى طبيعة الجريمة والنص القانوني المطبق وظروف كل قضية عوامل أساسية في تحديد الحكم ومساره النهائي.