حين تنتقل أساليب التربية من جيل إلى آخر: هل ما كان مناسبًا في الماضي يصلح لأبناء اليوم؟
حين تنتقل أساليب التربية من جيل إلى آخر: هل ما كان مناسبًا في الماضي يصلح لأبناء اليوم؟
● مجتمع ٢٧ يوليو ٢٠٢٦

حين تنتقل أساليب التربية من جيل إلى آخر: هل ما كان مناسبًا في الماضي يصلح لأبناء اليوم؟

تتوارث بعض الأسر أنماطاً تربوية من جيل إلى آخر، معتبرةً أن ما نفع مع الآباء في الماضي قد يكون مناسباً أيضاً للأبناء اليوم، لكن مع تغيّر طبيعة الحياة وتبدّل احتياجات الأطفال، يطرح هذا النهج سؤالاً مهماً حول مدى ملاءمة الأساليب القديمة في التربية للعصر الحالي، وما إذا كان الأجدر بالأهل الإبقاء على ما هو إيجابي منها، مع تطوير أساليبهم بما ينسجم مع متطلبات هذا الزمن.

التربية بين الأساليب القديمة والأخرى الحديثة

في هذا السياق، قالت الأخصائية النفسية راما كريّم في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن اتباع أساليب التربية القديمة بشكل كامل لا يُعد خياراً مناسباً، لأن احتياجات الأطفال والمجتمع قد تغيرت، وأضافت أن الأفضل هو الحفاظ على القيم الإيجابية مثل الاحترام والانضباط، مع اعتماد أساليب حديثة تقوم على الحوار والتفهم ووضع حدود واضحة، بما يحقق نمواً نفسياً واجتماعياً سليماً للطفل.

وأشارت إلى أن الدراسات تؤكد أن التربية التي تجمع بين الحزم والدفء العاطفي تسهم في تنمية شخصية الطفل، وتعزز ثقته بنفسه، وقدرته على اتخاذ القرار، وبناء علاقات صحية مع الآخرين، ونوّهت إلى أن المطلوب ليس رفض التربية القديمة أو تبني الحديثة بشكل مطلق، وإنما اختيار ما ثبتت فعاليته علمياً وما يتناسب مع احتياجات الطفل في كل مرحلة عمرية.


وبينت أنه لا يمكن تطبيق أساليب الماضي كما هي على أبناء اليوم، لأن الأطفال ينشؤون في بيئة مختلفة مليئة بالتغيرات والتحديات، وذكرت أن المطلوب هو الحفاظ على القيم التربوية الأصيلة، مع تبني أساليب حديثة تقوم على الحوار والاحتواء وتعزيز الصحة النفسية للطفل.


ولفتت إلى أن التربية في الماضي كانت تميل إلى الطاعة والانضباط مع قلة الحوار، بينما تركز التربية الحديثة على التواصل وفهم احتياجات الطفل النفسية وتشجيع الاستقلالية، وأوضحت أن تأثير التكنولوجيا ووسائل التواصل جعل الأطفال اليوم أكثر تعرضاً للمؤثرات، ما يتطلب أساليب تربوية أكثر وعياً ومرونة.

التربية بين الخبرة والوعي

وتحدثت الأخصائية النفسية راما عن أن بعض الأهالي قد يكررون أنماطاً تربوية عاشوها في طفولتهم دون وعي، مؤكدة أن التربية تقوم على نقل خبرات ومهارات وأفكار ومعتقدات من جيل إلى آخر، ولا يمكن النظر إليها على أنها مراحل منفصلة، وإنما هي وحدة واحدة تأخذ أشكالاً مختلفة بين كل جيل وآخر.

 وأضافت أن التغيير يبدأ عندما يراجع الأهل أساليبهم ويسألون أنفسهم: هل هذا الأسلوب مفيد لطفلي أم أنني أكرره لأنني اعتدت عليه؟ وشددت على أن الوعي والتعلم المستمر يساعدان على كسر هذه الأنماط واعتماد تربية أكثر صحة.

وأفادت بأن التكنولوجيا أثرت بشكل كبير على التربية، إذ أصبح الأطفال يتعرضون لمؤثرات متنوعة منذ سن مبكرة، وذكرت أن دور الأهل لم يعد يقتصر على وضع القواعد، بل يشمل التوجيه وتعليم الاستخدام الآمن للتكنولوجيا وتعزيز الحوار والثقة لحماية الطفل وتنمية وعيه.

وأوضحت كريّم أن الأهل يمكنهم الاستفادة من خبراتهم السابقة مع تقييمها بوعي، فيحتفظون بما أثبت نجاحه ويتخلون عن الأساليب غير المناسبة، وأكدت أن التربية الناجحة تجمع بين خبرة الأهل والمعرفة الحديثة بما يخدم مصلحة الطفل.

وشددت لـ "شام" على ضرورة أن يستمع الأهالي لأطفالهم، ويعززوا الحوار والثقة، ويضعوا حدوداً واضحة، ويواكبوا المستجدات التربوية، وينظموا استخدام التكنولوجيا، مع تذكر أن كل طفل له احتياجات وشخصية تختلف عن غيره، وأفادت بأن الأهم هو الاستمتاع بهذه المرحلة بكل تفاصيلها وبكل لحظة تفاعل بين الأهل وأطفالهم لأنها ستكون الذكريات التي ستبقى عند أطفالهم مستقبلاً.

التوازن بين الخبرة والمرونة في التربية

ويرى أخصائيون نفسيون أن بعض الأهالي يكررون مع أبنائهم الأساليب التي تربوا عليها لأنهم يعتبرونها الطريق الطبيعي للتربية، غير أن هذا التكرار لا يكون دائماً مناسباً لكل طفل أو لكل زمن، ويشيرون إلى أن الطفل اليوم يعيش في بيئة مختلفة تماماً، ما يجعل الأسلوب التربوي نفسه بحاجة إلى مراجعة وتكييف حتى يحقق أثراً إيجابياً بدل أن يتحول إلى مصدر ضغط أو صدام داخل الأسرة.

ويؤكدون أن الاعتماد على الأسلوب القديم من دون تعديل قد يضعف مساحة الحوار بين الأهل والأبناء، ويجعل الطفل أكثر تردداً في التعبير عن نفسه أو مناقشة ما يزعجه، كما يلفتون إلى أن بعض الأبناء قد يتعلمون الصمت أو المجاملة بدل الفهم والمشاركة، إذا كانت التربية قائمة على الأوامر وحدها أو على التوجيه الصارم من دون احتواء.

ويضيفون أن الأهل لا يحتاجون إلى إلغاء ما ورثوه من خبرات، بل إلى النظر فيه بوعي، وتمييز ما يصلح منه وما لم يعد مناسباً، كما يشددون على أن التربية الناجحة في هذا الزمن تقوم على التوازن، أي على الحفاظ على القيم الأساسية مع اعتماد أسلوب أكثر مرونة، يراعي شخصية الطفل واحتياجاته، ويمنحه في الوقت نفسه حدوداً واضحة وإحساساً بالأمان.

تعد التربية من أكثر الجوانب تأثيراً في تشكيل شخصية الأبناء، لذلك تبقى طريقة التعامل معهم محل اهتمام ومراجعة مستمرة، خاصة مع اختلاف الظروف بين جيل وآخر، وفي هذا الإطار، تبرز أهمية اختيار الأسلوب الذي ينسجم مع احتياجات الطفل ويأخذ في الاعتبار طبيعة المرحلة التي يمر بها، بما يساهم في بناء علاقة أكثر توازناً داخل الأسرة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ