تعديل السلوك عند الأطفال: أسس علمية وأسباب السلوكيات السلبية ودور الأسرة في العلاج
تعديل السلوك عند الأطفال: أسس علمية وأسباب السلوكيات السلبية ودور الأسرة في العلاج
● مجتمع ٢ أغسطس ٢٠٢٦

تعديل السلوك عند الأطفال: أسس علمية وأسباب السلوكيات السلبية ودور الأسرة في العلاج

في ظل تزايد التحديات السلوكية والنفسية لدى الأطفال، يبرز تعديل السلوك كأحد أهم الأساليب التربوية والعلاجية القائمة على أسس علمية تهدف إلى فهم السلوك وتوجيهه نحو الإيجابية، وفي هذا السياق، توضح أخصائية التربية الخاصة والصحة النفسية ٱمنة عمر إسماعيل، في حديث لشبكة شام الإخبارية، مفهوم تعديل السلوك وأبرز أساليبه ودور الأسرة في دعمه.

وقالت إسماعيل إن مفهوم تعديل السلوك في علم النفس يُعد عملية تربوية علاجية تهدف إلى تغيير أنماط السلوك غير المقبولة اجتماعياً أو نفسياً إلى سلوكيات أكثر توافقاً وتكيفاً مع البيئة، ويُعد من المفاهيم الأساسية في علم النفس والإرشاد، ومن أكثر الأساليب استخداماً في معالجة المشكلات السلوكية لدى الأطفال والبالغين على حد سواء.

وأضافت أن تعديل السلوك يعتمد على مجموعة من الأسس العلمية، في مقدمتها نظريات التعلم، حيث يعتمد بشكل أساسي على نظرية التعلم الشرطي الإجرائي التي وضعها "سكنر"، والتي ترى أن السلوك يمكن تعزيزه أو إضعافه بناءً على نتائجه، إلى جانب التقييم والتحليل الوظيفي القائم على تحليل الظروف التي يظهر فيها السلوك لمعرفة أسبابه ودوافعه، مثل معرفة ما إذا كان السلوك يحدث لجذب الانتباه أو للهروب من موقف معين.

وأشارت إلى أهمية التدخل المبكر، موضحة أن استخدام تقنيات تعديل السلوك في وقت مبكر يمنع تطور السلوكيات السلبية إلى مشكلات نفسية أعمق، كما لفتت إلى مبدأ التعميم، حيث يُعمل بعد نجاح البرنامج على تثبيت السلوك الجيد في مواقف متعددة لضمان استمراره، مثل تطبيقه في البيت والمدرسة والعمل.

أسباب السلوكيات السلبية

ونوهت ٱمنة عمر إسماعيل إلى أن السلوكيات السلبية لدى الأطفال، كالسرقة وغيرها، تنبع غالباً من أسباب نفسية واجتماعية متعددة، من بينها الحاجة إلى جذب الانتباه، إذ قد يلجأ الطفل إلى سلوكيات سلبية كوسيلة للحصول على اهتمام الوالدين أو المحيطين به، خاصة إذا شعر بالإهمال أو عدم التقدير.

وبينت أن من بين الأسباب أيضاً الحرمان العاطفي، حيث إن عدم إشباع حاجة الطفل للحب والحنان بالشكل الصحيح يدفعه إلى سلوكيات غير سوية، في ظل اعتقاد بعض الآباء أن توفير الأطعمة والهدايا والملابس كافٍ للتعبير عن الحب، مع إهمال الكلمة الحانية والتفهم الصادق.

وذكرت أن التربية الخاطئة، كاستخدام أساليب التوبيخ أو التهديدات، ومقارنة الطفل بغيره، تفقده ثقته بنفسه وتشعره بالنقص، إضافة إلى الضغوط النفسية والاجتماعية مثل التفكك الأسري أو التعرض للتنمر أو الشعور بالدونية، فضلاً عن المشكلات الاقتصادية والحرمان المادي التي قد تدفع بعض الأطفال إلى السرقة كوسيلة للحصول على ما ينقصهم.

وتحدثت  إسماعيل عن التمييز بين السلوك العابر والسلوك الذي يحتاج إلى تدخل متخصص، موضحة أن السلوك العابر لا يعطل حياة الطفل اليومية بشكل كبير، ولا يسبب معاناة نفسية مستمرة، ولا يشكل خطراً على نفسه أو الآخرين، ويحدث بشكل متقطع أو في ظروف معينة ويكون ضمن الإطار الطبيعي لسلوك الأطفال.

وأوضحت أن السلوك الذي يحتاج إلى تدخل متخصص يتسبب في تعطّل عام أو تدهور في حياة الطفل وأدواره، ويترافق مع شعور ذاتي بضيق أو معاناة نفسية لا يستطيع التأقلم معها، وقد يشكل خطراً على نفسه أو على الآخرين، ويستمر ويتكرر بشكل ملحوظ ويغير من نمط حياته وشخصيته، مع انحراف شديد عن عرف المجتمع المحيط.

أساليب تعديل السلوك

وأكدت الأخصائية ٱمنة أن هناك عدة أساليب عملية تُستخدم في تعديل السلوك، أبرزها التعزيز الإيجابي، والذي يقوم على تقديم مكافأة عند حدوث السلوك المرغوب، مثل مدح الطفل أو منحه نقاطاً تشجيعية عند التزامه بسلوك إيجابي، ويُعد من أكثر الأساليب فعالية في تعزيز السلوك الجيد.

وشددت على أهمية التعزيز السلبي، الذي يتمثل في إزالة مثير مزعج عند ظهور السلوك الجيد، مثل تخفيف الأعمال المنزلية عن الطفل حين يُنجز واجباته المدرسية في وقتها، إلى جانب العقاب البسيط الذي يهدف إلى تقليل السلوك غير المرغوب بطريقة تربوية، مثل الحرمان المؤقت من شيء محبوب، مع مراعاة ضوابط العقاب وتجنب الإفراط فيه.

وأفادت بأن من الأساليب أيضاً التجاهل، والذي يقوم على تجاهل السلوك غير المرغوب لتقليل تكراره، خاصة عندما يكون الهدف منه جذب الانتباه، على أن يكون هذا الأسلوب مقروناً بتعزيز السلوك البديل الإيجابي، إضافة إلى النمذجة التي تعتمد على عرض نموذج إيجابي يُحتذى به، حيث يتعلم الطفل من خلال مشاهدة الآخرين وهم يمارسون السلوك المرغوب.

وأضافت أن التطبيق الصحيح لتعديل السلوك يمر بعدة خطوات، تبدأ بتحديد السلوك المستهدف بحيث يكون محدداً وقابلاً للقياس والملاحظة، ثم جمع المعلومات وتحليل السلوك لمعرفة أسبابه ودوافعه، يلي ذلك تحديد الأهداف السلوكية بشكل واضح وقابل للقياس.

وأشارت إسماعيل في تصريح خاص لـ شام إلى أن الخطوات تتضمن أيضاً اختيار الأسلوب المناسب بناءً على طبيعة السلوك وعمر الطفل، ثم تطبيق البرنامج السلوكي بشكل متسلسل مع المتابعة اليومية، وأخيرًا تقييم النتائج وقياس مدى تحقق الأهداف.

ولفتت إلى الدور الإيجابي للأسرة في التعامل مع السلوكيات السلبية، من خلال التواصل الفعّال والاحتواء، وبناء علاقة قائمة على الاحترام والتفهم، وتقديم التوجيه الإيجابي بدل النقد السلبي، والتركيز على السلوك وليس الشخصية، مع الإكثار من الثناء والتشجيع، وبينت أن من أهم الأدوار أيضاً تقديم القدوة الحسنة، حيث يتعلم الأطفال من سلوك آبائهم أكثر مما يتعلمون من كلماتهم، إلى جانب ضرورة الثبات في المعاملة والاتفاق على أسس محددة للتربية والتوجيه.

أخطاء شائعة تفاقم المشكلة 

وذكرت ٱمنة عمر إسماعيل أن هناك أخطاء شائعة تزيد المشكلة، من بينها النقد المستمر واللوم باستخدام أسلوب التوبيخ أو التهديد، والمقارنة بين الأبناء التي تؤثر سلباً على شخصية الطفل وتفقده ثقته بنفسه، إضافة إلى عدم الثبات في المعاملة، مما يؤدي إلى تشتت الطفل بين الصواب والخطأ وتكوين شخصية مزدوجة.

وتحدثت عن أخطاء أخرى مثل الإهانة اللفظية أو الجسدية التي تشوه نفسية الطفل، واختلاف الرأي بين الوالدين الذي قد يعلم الطفل الكذب والخداع، إلى جانب الحماية والدلال الزائد الذي يؤدي إلى نشوء شخصية اتكالية غير مستقلة، وكذلك تقديم الإيحاءات السلبية كإطلاق صفات سلبية على الطفل، وتجاهل السلوك الجيد الذي يثبط دافعيته.

وأوضحت أن تعزيز السلوك الإيجابي بشكل مستدام يتطلب اتباع استراتيجيات متعددة، منها الإكثار من الثناء والتشجيع عند قيام الطفل بسلوك إيجابي، مع التركيز على وصف السلوك وليس الشخص فقط، واستخدام نظام المكافآت مثل النقاط أو الملصقات التشجيعية، وأكدت ضرورة التركيز على سلوك واحد في كل مرة لضمان الفعالية، وإشراك الأسرة والمحيط في دعم التغيير لضمان استمرارية التعزيز في مختلف البيئات، إلى جانب التحلي بالصبر لأن التغيير يحتاج إلى وقت وتكرار.

وشددت على أهمية تعميم السلوك الإيجابي بعد نجاح البرنامج لضمان استمراره، مع مراعاة فهم خصائص المرحلة العمرية والتغيرات النفسية والاجتماعية التي يمر بها الطفل أو المراهق، خاصة في مرحلة بناء الهوية لدى المراهقين.

وأفادت الأخصائية ٱمنة بأن اللجوء إلى أخصائي نفسي يصبح ضروريًا عند ظهور مؤشرات مثل تعطّل عام أو تدهور في حياة الطفل وأدواره، كتراجع حاد في المستوى الدراسي أو الانسحاب الاجتماعي أو فقدان الاهتمام بالأنشطة التي كان يستمتع بها.

وأضافت أن من المؤشرات أيضًا الشعور الذاتي بضيق أو معاناة نفسية لا يستطيع الطفل أو المراهق التأقلم معها داخلياً ويعبر عنها بشكل متكرر، أو في حال كان يشكل خطرًا على نفسه أو على الآخرين كإيذاء النفس أو التهديد بالانتحار أو العنف الجسدي، وأشارت إلى أن من الحالات التي تستدعي التدخل كذلك وجود مشكلة في علاقة الطفل مع الآخرين أو انحراف شديد عن عرف المجتمع، مع استمرار هذه المشكلات وتفاقمها.

وأكدت في ختام حديثها على أن الذهاب إلى الطبيب النفسي يُعد ممارسة مهمة، حيث إن العلاج المبكر للمشكلات النفسية يجعل مآلاتها المستقبلية أفضل بمراحل، وقد أظهرت العديد من الأبحاث أن العلاج المبكر للاكتئاب، في نوبته الأولى أو الثانية، يحسن النتائج بشكل كبير، كما يمكن اللجوء إلى الاستشارة النفسية حتى دون وجود أسباب ملحة، إذ إن مراجعة الطبيب لا تعني بالضرورة تشخيص مرض، بل قد تكون للاطمئنان والوقاية.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ