استقرار الليرة لا يكفي لتعافي الإنتاج.. الصناعة السورية أمام تحديات البنية التحتية والخبرة والأسواق
استقرار الليرة لا يكفي لتعافي الإنتاج.. الصناعة السورية أمام تحديات البنية التحتية والخبرة والأسواق
● اقتصاد ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦

استقرار الليرة لا يكفي لتعافي الإنتاج.. الصناعة السورية أمام تحديات البنية التحتية والخبرة والأسواق

يشكل الاستقرار النسبي الذي يشهده سعر صرف الليرة السورية عاملاً مهماً في تخفيف حالة عدم اليقين أمام المنتجين والتجار، إلا أن استعادة القطاعات الإنتاجية عافيتها تبقى مرتبطة بملفات أوسع، تبدأ من تأهيل الكهرباء والطاقة والطرق وسلاسل الإمداد، وتمر بالتشريعات والتمويل والخبرات، وصولاً إلى قدرة المنتج السوري على المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية.

ويطرح المشهد الاقتصادي الحالي تساؤلات حول المسافة الفاصلة بين استقرار العملة وتعافي الاقتصاد الحقيقي، خصوصاً أن قطاعات رئيسية كالزراعة والصناعة والصناعات التحويلية والاستخراجية ما تزال بحاجة إلى استثمارات وإعادة تأهيل بعد سنوات طويلة من تضرر البنية الإنتاجية.

استقرار الصرف وتأثيره على الإنتاج

قال الخبير الاقتصادي سامر النقيب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الليرة السورية تعتبر مستقرة إلى حد ما خلال المرحلة الحالية، معتبراً أنها تظهر مستوى من الاستقرار عند مقارنتها بعملات بعض الدول الأخرى، إلا أن هذا العامل وحده لا يعني أن الإنتاج والصناعة وصلا إلى مرحلة التعافي.

وأوضح النقيب أن قطاعات الزراعة والصناعة والصناعات التحويلية والاستخراجية ما تزال بحاجة إلى إعادة تهيئة بنيتها التحتية وتحديث وسائل العمل والإنتاج فيها، بما يتناسب مع متطلبات الجودة والمعايير العالمية، الأمر الذي يحتاج إلى مسار متكامل يتجاوز حركة سعر الصرف اليومية.

ورأى أن اضطراب سعر الصرف، في حال حدوثه ضمن مستويات محدودة، لا يشكل العامل الوحيد المؤثر في تكاليف الإنتاج والتضخم، مشيراً إلى أن جانباً كبيراً من المعاملات المالية المتوسطة والكبيرة بات يجري بالدولار منذ التحرير، في حين تبقى الرواتب والأجور بالليرة السورية، والتي قدّر حصتها بنحو ثلث إجمالي التكاليف.

التشريعات والتمويل بوابة لاستعادة النشاط

وأشار النقيب إلى أن تنشيط الإنتاج يحتاج إلى تهيئة بيئة اقتصادية تساعد المصانع والمنتجين على العمل والتوسع، من خلال تطوير قوانين الاستيراد والتصدير، والوصول إلى نظام ضريبي أكثر عدالة، وتوسيع حضور البنوك وشركات التأمين والخدمات المالية في السوق السورية.

ولفت إلى أهمية عودة سوريا إلى التعامل مع النظام المصرفي والمالي الدولي وتخفيف القيود التي كانت تعرقل حركة الأموال والتجارة، معتبراً أن تسهيل التحويلات والمعاملات الخارجية ينعكس على عمليات الاستيراد والتصدير، ويوفر للمنتجين قدرة أكبر على الوصول إلى مستلزمات الإنتاج والأسواق الخارجية.

وأكد أن إعادة بناء البنية الاقتصادية تحتاج أيضاً إلى توفير بيئة تمويلية قادرة على خدمة المشاريع، بالتوازي مع تحديث التشريعات المنظمة للنشاط التجاري والصناعي، بما يسمح باستقطاب رؤوس الأموال وإعادة تشغيل المنشآت المتوقفة أو المتضررة.

الكهرباء والمحروقات وسلاسل الإمداد

وبيّن النقيب أن سوريا قطعت، وفق تقديره، خطوات في إعادة تهيئة أجزاء من البنية التحتية المتضررة، ولا سيما في ملفات الكهرباء والمحروقات والطرقات، بالتزامن مع عودة تدريجية لسلاسل الإمداد والتوزيع، إلا أن حجم الضرر المتراكم يجعل استكمال هذه الملفات ضرورياً لتقليص تكاليف الإنتاج وتحسين القدرة التنافسية.

ويحتاج المنتج السوري، إلى جانب استقرار الطاقة والنقل، إلى قدرة أكبر على توقع تكاليف المواد الأولية والتشغيل والتسويق، إذ يمنح استقرار سعر الصرف المنتجين والمستثمرين مساحة أفضل للتخطيط والتسعير واتخاذ القرارات، بينما يحتاج أثر ذلك إلى استقرار مستمر حتى يتحول إلى توسع فعلي في الإنتاج والاستثمار.

الخبرات الغائبة عن مواقع القرار

وشدد النقيب على أن أحد أبرز التحديات التي تواجه عملية التعافي يتمثل، من وجهة نظره، في الحاجة إلى حضور أصحاب الخبرة والكفاءة ضمن مواقع القرار الاقتصادي والإداري والفني، بما يساعد على تسريع معالجة المشكلات التي تعيق الإنتاج والاستثمار.

وأشار بصورة خاصة إلى حلب بوصفها إحدى أهم المدن الصناعية والاقتصادية في سوريا، معتبراً أن قطاعات فيها تعاني من غياب عدد من الخبرات الإدارية والفنية، وأن استعادة الكفاءات وإشراكها في إدارة الملفات الاقتصادية يمكن أن يسهم في إعادة تشغيل القدرات الإنتاجية وتعزيز حضور المنتجات السورية في الأسواق الخارجية.

السوق والقدرة الشرائية جزء من المعادلة

ويرتبط تعافي الإنتاج كذلك بقدرة السوق المحلية على استيعاب السلع، إذ لا يكفي توفير بيئة مناسبة للمصانع إذا بقي الطلب محدوداً بفعل ضعف القوة الشرائية، كما يحتاج توسع الإنتاج إلى أسواق خارجية تسمح بتصريف الفائض وتوفير العملات الأجنبية وتحفيز المنشآت على زيادة استثماراتها.

ويبقى استقرار الليرة عاملاً مساعداً في مسار التعافي الاقتصادي، فيما تتحدد قدرة القطاعات السورية على استعادة نشاطها بمجموعة أوسع من العوامل تشمل البنية التحتية والطاقة والتمويل والتشريعات والخبرات والقوة الشرائية وفتح الأسواق، وهي ملفات سيحدد التقدم فيها سرعة انتقال الاستقرار النقدي إلى نمو ملموس في الصناعة والزراعة وبقية القطاعات الإنتاجية.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ