حين تلتقي الأسرة والمدرسة على مصلحة الطالب.. شراكة تربوية تعزز التعلم وتحد من المشكلات
تؤدي العلاقة بين المدرسة والأسرة دوراً أساسياً في مسيرة الطالب التعليمية والتربوية، إذ يتيح التواصل المستمر بين المعلمين وأولياء الأمور متابعة مستواه بصورة أكثر دقة، وفهم احتياجاته، واكتشاف الصعوبات الدراسية أو السلوكية التي يواجهها في وقت مبكر، بما يساعد على التعامل معها قبل أن تتفاقم.
وتتجاوز أهمية هذه العلاقة متابعة الدرجات والتحصيل الدراسي، لتشمل سلوك الطالب وحالته داخل الصف وطريقة تعامله مع زملائه والمعلمين، إلى جانب ما تلاحظه الأسرة في المنزل، وهو ما يجعل تبادل المعلومات بين الطرفين عاملاً مهماً في تكوين صورة أكثر وضوحاً عن احتياجاته.
الشراكة بدلاً من المراقبة
قالت المحاضرة والباحثة التربوية آلاء كوربلال، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن العلاقة بين المعلم وولي الأمر أصبحت أكثر حضوراً وتواصلاً مقارنة بما كانت عليه سابقاً، وفق ما لمسته من تجربتها في التعليم، معتبرة أن هذا التطور يحمل جانباً إيجابياً عندما يجري تنظيم التواصل وإدارته بصورة صحيحة.
وأوضحت كوربلال أن ولي الأمر بات قادراً على معرفة مستوى ابنه والتواصل مع معلمه بسرعة أكبر، إلا أن التحدي، برأيها، انتقل من مسألة وجود التواصل إلى الطريقة التي يتم بها، إذ يمكن لوسائل التواصل المتاحة أن تحقق نتائج إيجابية عندما تقوم على الاحترام والوضوح، أو أن تتحول إلى مصدر للخلاف عندما تغيب عنها الحدود المنظمة.
وأضافت أن العلاقة الأكثر فاعلية هي التي يشعر فيها المعلم وولي الأمر بأنهما شريكان في مسؤولية واحدة، بدلاً من أن يتعامل كل منهما مع الآخر بوصفه مراقباً لأدائه، فالمعلم يسعى إلى مصلحة الطالب، والأسرة تسعى إلى مصلحة ابنها، وعندما تصبح هذه المصلحة نقطة الالتقاء الرئيسية، يكون تجاوز الاختلافات أكثر سهولة.
اختلاف التوقعات يفتح باب الخلاف
وأفادت كوربلال، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، بأن كثيراً من الخلافات بين الأسرة والمدرسة لا تنطلق من سوء النية، وإنما من اختلاف التوقعات ونظرة كل طرف إلى الطالب، فقد تكون لدى الأسرة صورة معينة عن مستواه أو الطريقة المناسبة للتعامل معه، بينما يمتلك المعلم رؤية مختلفة بحكم وجود الطالب داخل الصف ومتابعته لسلوكه وتفاعله وتحصيله بصورة يومية.
وبينت أن المشكلة تتسع عندما يتحول النقاش بين الطرفين إلى محاولة لتحديد "من المخطئ؟"، بدلاً من التركيز على سؤال أكثر أهمية يتعلق بكيفية مساعدة الطالب، مشيرة إلى أن الهدوء والاستماع وفهم وجهة نظر الطرف الآخر يمكن أن تمنع كثيراً من الخلافات من التطور إلى مواجهة تؤثر في الطالب نفسه.
وأشارت إلى أن الطالب يتأثر عندما يلاحظ أن أسرته ومدرسته تتحركان في اتجاهين متعارضين، إذ قد لا تكون المشكلة مرتبطة بقدرته على التعلم، بقدر ارتباطها بضعف المتابعة المشتركة أو بتلقيه رسائل مختلفة من المنزل والمدرسة حول واجباته وسلوكه ومسؤولياته.
وأكدت أن الطالب يحتاج إلى الشعور بوجود بالغين يتعاونون من أجله، بدلاً من أن يجد نفسه سبباً لتبادل اللوم بينهم، موضحة أن التواصل المبكر بين المعلم والأسرة يسمح باكتشاف المشكلات الدراسية والسلوكية والتعامل معها في مراحلها الأولى.
أين يبدأ دور الأسرة؟
ذكرت كوربلال أن ولي الأمر يمثل شريكاً أساسياً في العملية التعليمية، لكنه لا يحل محل المعلم، إذ تتمثل مسؤوليته في متابعة ابنه، ومساعدته على تنظيم وقته، وتشجيعه على التعلم، والاستماع إلى الصعوبات التي يواجهها، والتواصل مع المدرسة عندما يحتاج إلى فهم مشكلة معينة أو المشاركة في إيجاد حل لها.
وشددت على أهمية أن يحافظ ولي الأمر على ثقة ابنه بمعلمه، وألا تتحول كل ملاحظة مدرسية إلى سبب للدفاع المباشر أو الغضب، وفي المقابل، يحتاج المعلم إلى إدراك أن أسئلة ولي الأمر ومخاوفه تنطلق غالباً من حرصه على ابنه، ما يتطلب الاستماع إليها ومناقشتها باحترام.
ولفتت إلى أن بناء علاقة مستقرة بين الطرفين يبدأ من وجود تواصل واضح وقنوات منظمة تتيح للأسرة معرفة مستوى الطالب والتواصل مع المدرسة عند الحاجة، بدلاً من أن تكون العلاقة عشوائية أو مرتبطة حصراً بحدوث مشكلة.
التواصل قبل ظهور المشكلة
نوهت كوربلال إلى أهمية اللقاءات الدورية بين المدرسة وأولياء الأمور، حتى عندما تكون قصيرة، لأنها تساعد على بناء الثقة وتجعل التواصل جزءاً طبيعياً من العملية التعليمية، بدلاً من اقتصاره على حالات التقصير أو المشكلات السلوكية.
وأوضحت أن إحدى القواعد المهمة في إدارة الحوار تتمثل في الحديث عن سلوك الطالب أو مستواه الدراسي بعيداً عن إصدار أحكام على شخصيته، مع توجيه النقاش نحو الحلول الممكنة قبل البحث عن الطرف المسؤول عن المشكلة.
وأكدت، استناداً إلى تجربتها، أن التعاون يصبح أكثر سهولة عندما يشعر المعلم بثقة ولي الأمر، ويشعر ولي الأمر في المقابل بأن المعلم يستمع إليه ويحترم مخاوفه، لينعكس ذلك بصورة مباشرة على الطالب ودرجة استقراره وقدرته على التعلم.
وتبقى التربية، وفق كوربلال، مسؤولية مشتركة لا يحتاج فيها الطالب إلى انتصار الأسرة على المدرسة أو المعلم على ولي الأمر، وإنما إلى رؤية الطرفين في صف واحد، يعملان على فهم احتياجاته ومتابعة تقدمه ومعالجة الصعوبات التي تواجهه بالحوار والتنسيق والثقة المتبادلة.