من "أمن الدولة" إلى "محكمة الإرهاب".. كيف بنى نظام الأسد البائد قضاءً استثنائياً لملاحقة معارضيه؟
أُنشئت محكمة قضايا الإرهاب في سوريا عام 2012، بعد أكثر من عام على انطلاق الثورة السورية، لتتولى النظر في القضايا التي أحالها نظام الأسد البائد إليها بموجب قانون مكافحة الإرهاب، وسرعان ما ارتبط اسمها بملفات آلاف المعتقلين والمعارضين والناشطين، وسط توثيق حقوقي واسع لانتهاكات طالت ضمانات المحاكمة العادلة، ووصلت آثار بعض أحكامها إلى الإعدام والحجز على الأموال ومصادرة الممتلكات.
وجاء إحداث المحكمة في مرحلة شهدت توسعاً كبيراً في الاعتقالات والملاحقات الأمنية، وبعد نحو عام على إلغاء محكمة أمن الدولة العليا، لتظهر مؤسسة قضائية استثنائية جديدة اتخذت من مبنى وزارة العدل في منطقة المزة بدمشق مقراً لها، واستندت بصورة رئيسية إلى تشريعات أصدرها النظام السابق تحت عنوان مكافحة الإرهاب.
قانونان خلال 23 يوماً
أصدر نظام الأسد البائد في 2 تموز 2012 قانون مكافحة الإرهاب رقم 19، ثم أتبع ذلك بعد 23 يوماً بالقانون رقم 22 الصادر في 25 تموز، الذي أحدث بموجبه محكمة قضايا الإرهاب وحدد بنيتها واختصاصاتها.
وشُكلت المحكمة من ثلاثة قضاة، أحدهم عسكري، واختصت بالنظر في الجرائم الواردة ضمن قانون مكافحة الإرهاب، فيما أتاح قانون إحداثها للنيابة العامة إحالة جرائم مرتبطة بالدعوى إليها حتى عندما لا تكون داخلة بصورة مباشرة ضمن الجرائم المنصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب.
ومنح التشريع المتهم حق الدفاع، لكنه أعفى المحكمة من التقيد بالأصول والإجراءات المتبعة أمام القضاء الجزائي العادي في مختلف مراحل الملاحقة والمحاكمة، وهو ما شكل لاحقاً أحد أبرز محاور الانتقادات التي وجهتها المنظمات الحقوقية إلى طبيعة المحكمة وضمانات التقاضي أمامها.
كيف وصل المعارضون إلى المحكمة؟
تحولت محكمة قضايا الإرهاب خلال سنوات الثورة إلى محطة قضائية لآلاف السوريين الذين أحالتهم الأجهزة والسلطات التابعة لنظام الأسد البائد إليها بتهم مرتبطة بـ"الإرهاب"، فيما وثقت منظمات حقوقية وصول قضايا إلى المحكمة على خلفية أنشطة سياسية ومدنية لم تتضمن بالضرورة أعمال عنف.
ووثقت منظمة هيومن رايتس ووتش منذ عام 2013 استخدام قانون مكافحة الإرهاب في ملاحقة أشخاص على خلفية المشاركة في المظاهرات أو النشاط السياسي وتقديم المساعدات الإنسانية، وأرجعت ذلك إلى الصياغات الواسعة لبعض مواد القانون، التي أتاحت إدراج أنشطة متعددة ضمن الاتهامات التي تنظر فيها المحكمة.
وسبق إنشاء المحكمة اعتماد نظام الأسد البائد على مواد قانون العقوبات المتعلقة بالجرائم الواقعة على أمن الدولة، إلى جانب المواد المتعلقة بالإرهاب، لملاحقة المعتقلين والمعارضين، قبل أن يوفر قانون مكافحة الإرهاب والمحكمة التي أنشئت لاحقاً إطاراً قانونياً جديداً لهذه الملاحقات.
من الضبط الأمني إلى الحكم
وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير موسع صدر عام 2020 سلسلة من الانتهاكات التي قالت إنها رافقت عمل المحكمة، واعتبرت أنها أدت دوراً سياسياً وأمنياً في ملاحقة المطالبين بالتغيير السياسي خلال سنوات الثورة السورية.
وأشارت الشبكة إلى اعتماد بعض ملفات المحكمة، وفق الحالات التي وثقتها، على ضبوط أعدتها الأجهزة الأمنية وتضمنت اعترافات قالت إنها انتُزعت تحت التعذيب، كما انتقدت عدم تطبيق قواعد الإثبات وأصول المحاكمات بالصورة المتبعة أمام القضاء العادي، وضعف ضمانات الدفاع وعدم التعامل الجدي مع شكاوى معتقلين بشأن تعرضهم للتعذيب.
وانتقدت تقارير حقوقية أيضاً جمع المحكمة بين محاكمة المدنيين والعسكريين والأحداث، وطريقة تعيين قضاتها، والإجراءات المتبعة أمامها، فيما أثارت هيومن رايتس ووتش منذ السنوات الأولى لعملها مخاوف بشأن استقلاليتها وحقوق المتهمين واستخدام اعترافات منتزعة تحت التعذيب في بعض الملفات.
نحو 91 ألف قضية وفق تقديرات حقوقية
قدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن محكمة قضايا الإرهاب تعاملت مع نحو 91 ألف قضية حتى عام 2020، فيما قالت إن ما لا يقل عن 10,767 شخصاً كانوا لا يزالون خاضعين للمحكمة عند إعداد تقريرها.
وأوضحت الشبكة أن تلك الأرقام تمثل تقديرات حقوقية وليست إحصاءات قضائية رسمية، بسبب عدم نشر المحكمة تفاصيل شاملة عن أعمالها ومداولاتها وأحكامها وقرارات الاتهام، ما جعل تحديد العدد الكامل للأشخاص الذين مروا أمامها أو أفرج عنهم أو صدرت بحقهم أحكام مهمة بالغة الصعوبة.
واعتمدت الشبكة في بناء تقديراتها على سنوات من متابعة الحالات، ومقابلات مع عائلات المعتقلين، ومعلومات مرتبطة بالسجون والأشخاص الذين تعاملوا مع المحكمة، في ظل غياب قاعدة بيانات رسمية متاحة للرأي العام عن حصيلة عملها.
من السجن إلى الإعدام
صدرت عن محكمة قضايا الإرهاب أحكام متفاوتة خلال سنوات عملها، ووثقت منظمات حقوقية بينها الشبكة السورية لحقوق الإنسان أحكاماً وصلت إلى الإعدام في قضايا مرتبطة بمعارضين لنظام الأسد البائد، مع انتقادات لطبيعة الأدلة والإجراءات التي استندت إليها بعض المحاكمات.
واعتبرت الشبكة أن افتقار المحكمة إلى ضمانات المحاكمة العادلة يجعل الأحكام الصادرة عنها موضع إشكال قانوني وحقوقي، ولا سيما في الحالات التي قالت إن ملفاتها اعتمدت على اعترافات منتزعة تحت التعذيب أو ضبوط أمنية دون توفير الضمانات الكافية للمتهمين.
عندما امتدت الأحكام إلى الممتلكات
تجاوزت آثار المنظومة المرتبطة بمحكمة قضايا الإرهاب الأحكام السالبة للحرية، إذ أتاحت التشريعات التي أصدرها نظام الأسد البائد فرض إجراءات بالحجز والمصادرة على الأموال المنقولة وغير المنقولة للأشخاص الذين خضعوا للملاحقة أو أحيلوا إلى المحكمة حضورياً أو غيابياً.
ووثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 3970 حالة حجز على الممتلكات بين بداية عام 2014 وتشرين الأول 2020، قالت إنها استهدفت معارضين موقوفين أو مهجرين قسرياً، بينهم ما لا يقل عن 57 طفلاً.
وامتدت بعض إجراءات الحجز، وفق توثيق الشبكة، إلى أفراد من عائلات الأشخاص المستهدفين، ما جعل الآثار القانونية والمالية للمحكمة مستمرة بالنسبة إلى عدد من الأسر حتى بعد انتهاء المحاكمة أو خروج أصحاب الممتلكات من السجن أو وجودهم خارج البلاد.
ماذا يعني إلغاء المحكمة ومفاعيل أحكامها؟
يفتح إلغاء قانون إحداث محكمة قضايا الإرهاب اليوم مرحلة مختلفة في التعامل مع إرثها، إذ لا تنحصر القضية في إنهاء وجود المحكمة، وإنما تشمل أيضاً معالجة النتائج القانونية التي ترتبت على أحكامها طوال سنوات عملها.
ويضع إلغاء مفاعيل الأحكام الصادرة عنها أمام مجلس القضاء الأعلى مهمة معالجة ما بقي من آثار قانونية مرتبطة بتلك القرارات، ولا سيما الأحكام والسجلات وإجراءات الحجز والمصادرة والملكيات التي انتقلت أو جرى التصرف بها استناداً إلى قرارات قضائية سابقة.
ويشمل المسار كذلك إعفاء المحكومين من الرسوم والضرائب المتعلقة بإعادة الملكيات المصادرة بموجب أحكام محكمة قضايا الإرهاب ومحاكم الميدان العسكرية والمحاكم العسكرية، ما يهدف إلى إزالة أعباء مالية عن أصحاب الحقوق خلال إجراءات استعادة ممتلكاتهم.
ويطوي إلغاء المحكمة جانباً من منظومة القضاء الاستثنائي التي أنشأها نظام الأسد البائد، لكنه يفتح في المقابل ملفاً أوسع يتعلق بآلاف الأحكام وأصحابها، ومصير الممتلكات المصادرة، وإعادة الحقوق إلى المتضررين، ومراجعة الآثار التي خلفتها سنوات من المحاكمات التي واجهت انتقادات حقوقية واسعة، لتصبح كيفية تنفيذ إلغاء تلك المفاعيل واستعادة الحقوق الخطوة الأهم بعد إنهاء الإطار القانوني للمحكمة.