بين الدراسة واللعب والراحة.. كيف نبني روتيناً تعليمياً مناسباً للطفل؟
تشكّل السنوات الأولى من التعليم مرحلة أساسية في بناء علاقة الطفل بالدراسة، إذ يواجه بعض الأطفال صعوبة في الالتزام بوقت محدد للتعلم أو الحفاظ على التركيز لفترات طويلة، فيما يحتاج تكوين عادة دراسية مستقرة إلى التدرج ووضع روتين يتناسب مع عمر الطفل وقدرته على الانتباه، بعيداً عن الضغط والإجبار وتحويل الدراسة إلى عبء يومي.
البداية من خطوات بسيطة
أكدت آلاء كوربلال، المحاضرة والباحثة التربوية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أن بناء العادة الدراسية يبدأ بخطوات بسيطة وثابتة، وليس بإلزام الطفل بساعات طويلة من الدراسة منذ البداية.
وأوضحت أنه يمكن للأهل تخصيص وقت يومي محدد للقراءة أو تنفيذ نشاط تعليمي بسيط، مع تهيئة مكان هادئ ومناسب، مشيرة إلى أهمية أن تكون البداية مرنة وممتعة، بحيث يشعر الطفل بأن الدراسة جزء طبيعي من يومه وليست مهمة مفروضة عليه.
وبيّنت كوربلال أن المدة المناسبة للدراسة تختلف باختلاف عمر الطفل وقدرته على التركيز، ولذلك يُفضل خلال السنوات الأولى البدء بفترات قصيرة تتناسب مع مستوى انتباهه، تتخللها فترات للحركة والراحة، قبل زيادة الوقت تدريجياً مع تطور قدرته على التركيز.
الاستمرارية أهم من طول الدراسة
لفتت كوربلال إلى أن الانتظام والاستمرارية أكثر أهمية من طول الوقت الذي يقضيه الطفل في الدراسة، موضحة أن وجود موعد شبه ثابت يومياً يساعد على ترسيخ العادة، ويجعل الطفل أكثر استعداداً للتعلم وأقل حاجة إلى التذكير المتكرر.
وأشارت في تصريح خاص لـ«شام» إلى أن تنظيم تسلسل يوم الطفل بين اللعب والراحة والدراسة والأنشطة الأخرى يمنحه شعوراً بالاستقرار والتنظيم، ويساعد على جعل التعلم جزءاً مألوفاً من حياته اليومية.
لماذا يرفض الطفل الدراسة؟
دعت كوربلال الأهل إلى البحث عن الأسباب التي تقف خلف رفض الطفل الجلوس للدراسة أو تشتته السريع قبل التعامل مع السلوك نفسه، إذ قد يكون متعباً، أو يجد المهمة صعبة، أو يحتاج إلى طريقة تعليم أكثر تفاعلية وجذباً لانتباهه.
ونصحت بتجنب الدخول في صراع مع الطفل، وتقسيم المهام إلى خطوات صغيرة، وتنويع الأنشطة التعليمية، ومنحه خيارات محدودة، كاختيار المهمة التي يرغب في البدء بها، إلى جانب تشجيعه على كل محاولة للالتزام حتى وإن كانت لفترة قصيرة.
سلوكيات قد تجعل الدراسة عبئاً
حذرت كوربلال من الاعتماد على التهديد والعقاب المستمر، أو مقارنة الطفل بغيره، والتركيز على الدرجات أكثر من الجهد والتقدم الذي يحققه، إضافة إلى إجباره على مواصلة الدراسة لفترات طويلة رغم شعوره بالتعب.
وأكدت أن تحويل معظم وقت الطفل إلى الدراسة قد يدفعه إلى التعامل معها بوصفها عبئاً، مشددة على ضرورة ربط التعلم بالتشجيع والشعور بالإنجاز، مع الحفاظ على مساحة كافية للعب والراحة والأنشطة الأخرى.
عادة تحتاج إلى الوقت
شددت كوربلال على أن العادة الدراسية لا تتشكل خلال يوم واحد، وإنما تحتاج إلى الصبر والثبات والتدرج من جانب الأهل، موضحة أن الهدف لا يتمثل في إبقاء الطفل أمام كتبه لساعات، وإنما مساعدته على إدراك أن الدراسة جزء طبيعي ومنظم من يومه، وتعزيز شعوره بقدرته على التعلم والإنجاز.
وأكد مختصون تربويون أن بناء هذه العادة يرتبط أيضاً بانتقال الطفل تدريجياً من الاعتماد على توجيهات الكبار إلى تحمل قدر أكبر من المسؤولية عن تعلمه، إذ يحتاج في المراحل الأولى إلى مساعدة الأسرة في تنظيم واجباته ومعرفة المهام المطلوبة منه، قبل منحه مساحة أوسع للاعتماد على نفسه.
وأشاروا إلى أن التعاون بين الأسرة والمدرسة يسهم في تعزيز هذه المهارات ورصد الصعوبات التي تواجه الطفل والتعامل معها، فيما يساعد إنجازه لمهامه بنفسه على تعزيز شعوره بالقدرة والمسؤولية والاستقلالية.
ويبقى تكوين العادة الدراسية عملية تدريجية تختلف من طفل إلى آخر تبعاً لعمره واحتياجاته وقدرته على التركيز، فيما يشكل تنظيم اليوم، والدعم الأسري والمدرسي، والتدرج في تحمل المسؤولية، عوامل أساسية لمساعدة الطفل على بناء علاقة أكثر استقراراً وإيجابية مع الدراسة.