النفقة الزوجية بين النص القانوني والواقع المعيشي في سوريا
تُعدّ النفقة الزوجية من الالتزامات القانونية الأساسية المترتبة على الزواج في القانون السوري، إذ تُلزم الزوج بتأمين احتياجات الزوجة والأبناء، غير أن هذا الالتزام يواجه في الواقع تحديات متزايدة في ظل التفاوت بين القدرة المادية للأزواج وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يطرح تساؤلات حول مدى كفايتها في الظروف الحالية.
وتبرز هذه المسألة ضمن أكثر الملفات حضوراً في المحاكم الشرعية، نظراً لتداخلها مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للأسر، وما يرافقها من نزاعات تتعلق بقيمتها وآليات تحصيلها، في وقت يكتسب فيه تفسير النصوص القانونية وتطبيقها أهمية خاصة في تحديد حقوق الزوجة والأبناء.
في هذا الإطار، قال المحامي علي محمد اسكان، محامٍ وباحث في السياق القانوني والحقوقي، وأستاذ لدى فرع نقابة المحامين بالحسكة، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن النفقة الزوجية تُعد من الآثار القانونية المترتبة على الزواج في القانون السوري، حيث يعتبرها التزاماً مالياً مفروضاً على الزوج تجاه الزوجة والأبناء، وهي واجبة عليه شرعاً وقانوناً، ولا يمكنه التنصل منها أو الامتناع عن دفعها.
وأوضح اسكان أن القاضي يحدد قيمة النفقة استناداً إلى مجموعة من المعايير، في مقدمتها الحالة المادية للزوج وقدرته المالية، حيث يراعي دخله وأمواله ومصادر دخله الأخرى، إضافة إلى حالته الاقتصادية العامة، ومن ثم يقوم باحتساب حاجة الزوجة، والتي تشمل الطعام والشراب واللباس والسكن والعلاج، مع مراعاة الأسعار ومستوى المعيشة.
ولفت إلى أن القاضي يحدد المستوى الاقتصادي للزوج بناءً على البيانات المقدمة من الزوج والزوجة وتحقيقات المحكمة، مبيناً أن القانون السوري لم يحدد مبلغاً معيناً للنفقة، بل ترك تقديرها للقاضي في كل قضية على حدة وفق أحكام قانون الأحوال الشخصية.
وأضاف أنه وفق القانون السوري يتم احتساب النفقة على قاعدة تحقيق الحياة الكريمة للزوجة وأبنائها وتوفير المستلزمات لهم، خاصة الاحتياجات الأساسية، مع مراعاة قدرة الزوج المالية والاقتصادية، مشيراً إلى أن القاضي في دعاوى النفقة لا يعتمد على معيار واحد، بل يستند إلى عدة معايير تختلف بحسب ظروف كل قضية.
كما لا يعتمد على مبالغ محددة مسبقاً، بل ينطلق من الحالة الاقتصادية للزوج ودخله الحقيقي، ثم احتياجات الزوجة الأساسية، فالمستوى المعيشي والاجتماعي للأسرة، وكذلك الظروف الاقتصادية الحالية، بما في ذلك ارتفاع الأسعار أو انخفاضها عند إقامة الدعوى.
ونوه في تصريح خاص لـ شام إلى أن قضية التضخم تُعد عاملاً أساسياً في احتساب النفقة، سواء من خلال رفع قيمتها الشهرية أو خفضها تبعاً لحالة الزوج المالية والظروف الاقتصادية الطارئة، وبيّن أنه في ظل الغلاء الحالي لم يعد للنفقة الزوجية معناها الكافي، إذ باتت مبالغها غير قادرة على تأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة للزوجة، خاصة مع الارتفاع الكبير في الأسعار والإيجارات والنفقات العائلية ومتطلبات التعليم والطبابة، إلى جانب تدني مستوى الدخل.
ولفت إلى أن معظم العائلات السورية من محدودي الدخل، مشيراً إلى أن الصعوبة في رفع النفقة تكمن في عدم قدرة غالبية الأزواج على دفع مبالغ مالية كبيرة بسبب محدودية الدخل وارتفاع الأسعار ومتطلبات الحياة، كما لا يمكن تحديد مبالغ ثابتة بسبب اختلاف الأوضاع الاقتصادية ومستويات الدخل بين العائلات.
وأشار إلى أن قانون الأحوال الشخصية يقر بأن النفقة الزوجية ليست مبلغاً واحداً، بل تشمل عدة أنواع وعناصر، منها الطعام واللباس والسكن والعلاج، مؤكداً أن القانون لم يحدد سقفاً أو حداً أدنى للنفقة، وإنما منح القاضي سلطة تقديرية في تحديد قيمتها الشهرية، موضحاً أن آلية التقدير تخضع لمجموعة من المعايير، من بينها قدرة الزوج المالية، والحالة الاقتصادية، واحتياجات الزوجة وأبنائها، إضافة إلى مستوى الأسعار السائدة.
ولفت إلى أن القانون السوري خوّل الزوجة طلب التفريق لعدم الإنفاق وفق شروط محددة، منها أن يكون الزوج حاضراً وممتنعاً عن الإنفاق على الزوجة أو العائلة دون إثبات عجزه عن ذلك، مضيفاً أنه في حال ادعاء الزوج عدم قدرته على الإنفاق، يحق للقاضي منحه مهلة مناسبة، وفي حال انقضائها دون التزامه بالإنفاق، يقوم القاضي بالحكم بالتفريق.
وأفاد بأنه يمكن للزوجة اتخاذ عدة إجراءات قانونية في حال امتناع الزوج عن دفع النفقة، منها إقامة دعوى نفقة أمام المحكمة الشرعية، وطلب نفقة خلال سير الدعوى الأصلية، وكذلك التنفيذ على أموال الزوج في حال صدور حكم بالنفقة وعدم التزامه به، إضافة إلى إمكانية طلب الحبس التنفيذي في حال الامتناع عن التسديد، كما يحق لها طلب التفريق لعدم الإنفاق.
وأشار إلى أن قضية النفقة الزوجية تُعد من القضايا الشائعة في سوريا، والتي تتسبب في العديد من النزاعات الأسرية نتيجة امتناع بعض الأزواج عن الدفع أو عدم كفاية المبالغ، خاصة في ظل الظروف الحالية، مشدداً على ضرورة إعادة النظر في قانون الأحوال الشخصية، ودراسة المواد المتعلقة بالنفقة، بما يضمن عدم حرمان الزوجة من حقوقها الأساسية، وتأمين مبالغ تراعي كرامتها وحقوقها الإنسانية، أو إيجاد صندوق لدعم النساء اللواتي يتعرضن للطلاق أو عدم الإنفاق.
ويرى مختصون في الشأن الاجتماعي أن الإشكال في قضايا النفقة لا يقتصر فقط على تقدير القيمة المالية أو الظروف الاقتصادية، بل يمتد أيضاً إلى طبيعة الوعي القانوني لدى الأطراف، حيث يلاحظ أن بعض النزاعات تتفاقم نتيجة ضعف المعرفة بالإجراءات القانونية أو سوء فهم آليات المطالبة والتنفيذ، ما يؤدي إلى إطالة أمد القضايا وزيادة الضغط على المحاكم الشرعية.
ويشيرون إلى أن تعزيز التوعية القانونية المبسطة حول حقوق وواجبات كل طرف قد يسهم في تخفيف جزء من هذه الإشكاليات قبل وصولها إلى ساحات التقاضي.
وتبقى قضية النفقة الزوجية في سوريا من الملفات التي تتقاطع فيها النصوص القانونية مع الواقع المعيشي، حيث تفرض التحولات الاقتصادية تحديات متزايدة على آليات تقديرها ومدى كفايتها، وبين سلطة القاضي التقديرية وتباين الأوضاع المادية للأسر، تستمر هذه القضية في الحضور ضمن سياق أوسع من النقاشات المرتبطة بحقوق الأسرة والضمانات القانونية المرتبطة بها.