المهر بين المعجل والمؤجل: كيف ينظمه القانون؟
في إطار تنظيم الحقوق المالية المترتبة على عقد الزواج، يبرز المهر كأحد أبرز هذه الحقوق التي كفلها القانون للزوجة، وحدد آليات استحقاقه وأدائه، ولا يقتصر الجدل حول المهر على قيمته فحسب، بل يمتد إلى تفاصيل تتعلق بتقسيمه بين معجل ومؤجل، ووقت استحقاق كل منهما، إضافة إلى الإشكالات التي قد تنشأ عند النزاع أو عدم الوفاء به.
وتزداد أهمية هذا الموضوع في ظل ما تشهده محاكم الأحوال الشخصية من قضايا مرتبطة بالمهر، سواء من حيث إثبات قبضه، أو المطالبة بالمؤجل منه، أو الخلافات الناتجة عن صياغة عقد الزواج.
في هذا السياق، قالت المحامية سحر نجار في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن القانون يعرّف المهر بأنه حق مالي خالص للزوجة يثبت بعقد الزواج الصحيح، ويلتزم الزوج بأدائه وفق ما اتفق عليه الطرفان، ومن الناحية القانونية فإن المهر يعد كتلة مالية واحدة أو التزاماً مالياً واحداً في ذمة الزوج، ولا يفرق القانون بين معجل ومؤجل من حيث أصل الحق، وإنما يكون الاختلاف في ميعاد الوفاء بهذا الحق.
وأضافت أن تقسيم المهر إلى معجل (مقبوض) ومؤجل (غير مقبوض) هو تقسيم درج عليه العمل والعرف الاجتماعي، وأخذت به التشريعات والمحاكم لتنظيم وقت استحقاق الدفع، وأشارت إلى أن المهر المعجل (المقبوض) هو الجزء الذي اتفق على دفعه عند إبرام عقد الزواج أو قبل الدخول، ويثبت قبضه إذا تم الوفاء به.
ونوّهت إلى أن المهر المؤجل (غير المقبوض) هو الجزء الذي اتفق على تأجيل الوفاء به إلى موعد محدد، وغالبًا إلى أقرب الأجلين: الطلاق أو وفاة الزوج، ويبقى ديناً ثابتاً في ذمة الزوج إلى حين حلول أجله.
وبيّنت أنه من واقع العمل في محاكم الأحوال الشخصية، فإن المحكمة تتعامل مع المهر التزاماً مالياً واحداً، ثم تنظر إلى ما إذا كان جزء منه قد استوفي بالفعل، وما إذا كان الجزء المؤجل قد حلّ أجله، لتحديد ما يستحق للزوجة عند نظر الدعوى.
ولفتت إلى أن الفرق القانوني بين المهر المعجل والمهر المؤجل يكمن في ميعاد الاستحقاق ووقت الوفاء به، وليس في طبيعة الحق ذاته، فكلاهما جزء من المهر المتفق عليه ويثبتان للزوجة بموجب عقد الزواج.
وذكرت أن المهر المعجل يستحق الأداء فور انعقاد العقد أو في الموعد الذي اتفق عليه الطرفان، ويكون الأصل أن يُدفع قبل الدخول أو عنده، فإذا لم يُدفع بقي ديناً في ذمة الزوج، ويجوز للزوجة المطالبة به قضائياً.
وتحدثت عن أن المهر المؤجل لا يحلّ أداؤه إلا عند حلول الأجل المتفق عليه، وغالباً ما يكون عند أقرب الأجلين: الطلاق أو وفاة الزوج، ومنذ حلول هذا الأجل يصبح ديناً مستحق الأداء، ويحق للزوجة المطالبة به أمام المحكمة والتنفيذ على أموال الزوج وفق الأصول القانونية.
وأوضحت أنه من الناحية العملية في محاكم الشمال السوري، فإن المحكمة تعتمد على ما هو مثبت في عقد الزواج، فإذا ورد فيه مهر مؤجل وحلّ أجله بالطلاق أو الوفاة، حكمت باستحقاقه باعتباره ديناً ثابتاً في ذمة الزوج، ولا يمتنع عن أدائه إلا إذا ثبت الوفاء به أو إبراء الزوجة منه وفق الطرق القانونية.
وأكدت أن الزوجة يحق لها المطالبة بالمهر المؤجل بمجرد حلول الأجل المحدد في عقد الزواج، فإذا نص العقد على أن المؤجل يستحق عند أقرب الأجلين، فإن حق المطالبة يثبت بمجرد وقوع الطلاق البائن أو الرجعي، أو بوفاة الزوج، ما لم يكن قد تم الاتفاق على أجل آخر.
وشددت على أنه من واقع القضايا المنظورة أمام محاكم الأحوال الشخصية، فإن المطالبة بالمهر المؤجل تُثار غالباً بعد الطلاق أو وفاة الزوج، وتتعامل المحاكم معه باعتباره ديناً ثابتاً في ذمة الزوج، وليس منحة أو حقاً تقديرياً، طالما كان ثابتاً في عقد الزواج ولم يثبت سقوطه قانوناً.
وأفادت بأن كثيراً من النزاعات تنشأ بسبب تدوين عبارة (المهر مقبوض) في عقد الزواج دون أن يتم القبض الفعلي، لذلك تنصح دائماً بأن تعكس البيانات الواردة في العقد الواقع الحقيقي، لأن عقد الزواج هو أول ما تستند إليه المحكمة عند الفصل في هذا النوع من الدعاوى.
وقالت إن إثبات قبض المهر أو عدم قبضه يخضع لقواعد الإثبات العامة، ويبدأ أولاً بما هو مدون في عقد الزواج، إذ يُعد العقد الدليل الأساسي على مقدار المهر وما إذا كان معجلاً أو مؤجلاً، وما إذا كان قد تم قبضه.
وأضافت أنه إذا نص عقد الزواج على أن المهر المعجل قد قُبض، فإن هذا البيان يُعد حجة ما لم يثبت العكس بوسائل الإثبات التي يجيزها القانون في الحالات التي يجوز فيها الطعن على ما ورد في العقد.
وأشارت إلى أنه إذا ادعت الزوجة أنها لم تقبض المهر رغم إثبات قبضه في العقد، أو ادعى الزوج أنه أوفى بالمهر دون وجود ما يثبت ذلك، فإن المحكمة تنظر في الأدلة المقدمة، مثل الإقرار، أو البينة الشخصية، أو المستندات والقرائن، وتُقدّرها وفق أحكام قانون الإثبات.
ونوّهت إلى أنه إذا لم يقم الزوج بدفع المهر، سواء كان معجلاً بعد استحقاقه أو مؤجلاً بعد حلول أجله، فإن للزوجة مجموعة من الحقوق التي يكفلها القانون، وبيّنت أنه أولاً يحق لها إقامة دعوى للمطالبة بالمهر أمام محكمة الأحوال الشخصية، باعتباره حقاً مالياً ثابتاً لها، وتطالب بإلزام الزوج بأدائه إذا كان حياً، أو من الأموال التي خلّفها بعد وفاته إذا أصبح الدين مستحقاً بسبب الوفاة.
ولفتت إلى أنه ثانياً، إذا صدر حكم قضائي ولم يقم الزوج بالوفاء بما حكم به، فيحق لها مباشرة إجراءات التنفيذ لتحصيل المبلغ وفق الأصول القانونية، وذكرت أنه إذا ثبت للمحكمة أن المهر المؤجل مستحق ولم يثبت وفاؤه أو إبراء الزوجة منه، فإنها تحكم بإلزام الزوج بأدائه، أما إذا ادعى الزوج أنه قام بسداده، فإن عبء إثبات الوفاء يقع عليه وفق قواعد الإثبات، ويكون ذلك بالإقرار أو المستندات أو أي وسيلة إثبات يجيزها القانون.
وتحدثت عن أنه من خلال التطبيق العملي في محاكم الشمال السوري، فإن أغلب المنازعات لا تدور حول أصل استحقاق المهر المؤجل، وإنما حول مقدار المهر، أو الادعاء بسداده، أو الادعاء بتنازل الزوجة عنه، وفي جميع الأحوال تفصل المحكمة في النزاع استناداً إلى عقد الزواج والأدلة المقدمة من الطرفين، ثم تصدر حكمها وفق أحكام قانون الأحوال الشخصية وقواعد الإثبات.
وبذلك، يندرج المهر، سواء كان معجلاً أو مؤجلاً، ضمن الالتزامات المالية المرتبطة بعقد الزواج، ويخضع في تنظيمه واستحقاقه والإثبات عليه لما هو مثبت في العقد وما يُقدَّم من أدلة أمام القضاء، وفق القواعد المعتمدة في محاكم الأحوال الشخصية.