المرأة العاملة بين دوافع الاستقلال وضغوط المسؤوليات اليومية
المرأة العاملة بين دوافع الاستقلال وضغوط المسؤوليات اليومية
● مجتمع ١١ يونيو ٢٠٢٦

المرأة العاملة بين دوافع الاستقلال وضغوط المسؤوليات اليومية

تسعى آلاف السيدات في سوريا إلى تحقيق الاستقلالية المادية عبر دخول سوق العمل، سواء من خلال توظيف شهاداتهن الجامعية أو الاستفادة من خبراتهن المهنية في مجالات متعددة.

وفي هذا السياق، تتعدد الدوافع التي تقف خلف توجه النساء نحو العمل، إذ تشمل الرغبة في تعزيز دخل الأسرة، ومواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة، إضافة إلى حالات يرتبط فيها هذا القرار بتعطل الزوج عن العمل أو إصابته بمرض أو إعاقة تحد من قدرته على الكسب، وكذلك في حالات فقدان المعيل. 

كما يمتد هذا التوجه لدى شريحة أخرى من النساء ليعكس طموحاً في إثبات الذات واستثمار التعليم والخبرة المتاحة بما يسهم في تحسين الواقع المعيشي وتعزيز الاستقلالية الاقتصادية.

وفي المقابل، تواجه كثير من هؤلاء النساء ضغوطاً يومية ناتجة عن تداخل المسؤوليات المهنية مع الالتزامات الأسرية والاجتماعية، سواء كنّ عازبات أو متزوجات، ما يفرض عليهن أعباء إضافية قد تنعكس على حالتهن النفسية والجسدية، وعلى مستوى التوازن والرضا في حياتهن اليومية.

قالت الآنسة سُميّة محمّد عبد الفتّاح، اختصاصيّة نفسيّة ومحاضرة في قسم الإرشاد النفسي بجامعة حلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن المرأة العاملة قد تواجه تحديات نفسية متعددة تنبع في المقام الأول من تعدد الأدوار التي تؤديها يومياً والموازنة بين النجاح المهني وتحقيق الإنجاز في العمل وفي الوقت ذاته نجاحها في التزاماتها الأسرية والاجتماعية، مبينةً أن هذا التداخل بين المسؤوليات قد يولّد شعوراً بالضغط المستمر والخوف من التقصير في أحد الجانبين.

وأشارت إلى أن المرأة المتزوجة تواجه أحياناً عبئاً إضافياً يتمثل في إدارة شؤون الأسرة ورعاية الأبناء إلى جانب مسؤولياتها المهنية، موضحةً أن رعاية الأبناء لا تكون فقط في تأمين لقمة العيش، إنما في التعامل مع تغيراتهم وفقاً لمراحلهم العمرية وتقديم الدعم النفسي اللازم لهم، أي تأمين احتياجاتهم بتعددها، بينما قد تعاني المرأة العازبة من ضغوط مختلفة مرتبطة بإثبات الذات وتحقيق الاستقرار المهني والاجتماعي.

ونوهت إلى أنه في كلتا الحالتين، قد تشعر المرأة بأنها تخوض سباقاً يومياً بين الواجبات والطموحات، ما يجعلها أكثر عرضة للتوتر والإجهاد النفسي.

 وبيّنت أنه عندما تتزايد المسؤوليات دون وجود مساحات آمنة وكافية للراحة أو الدعم تتشكل الضغوط النفسية والتي بدورها تشبه حملاً يتراكم تدريجياً على المرأة، فقد لا يظهر أثره في البداية، لكنه مع مرور الوقت يترك بصمته بصمت على المزاج والتفكير وأيضاً على الصحة الجسدية، فقد تعاني من الإرهاق النفسي، واضطرابات النوم، وضعف التركيز، والتوتر المستمر مما ينعكس بشكل أو بآخر على إنجازها في كل الجوانب.

ولفتت إلى أنه يمكن أن يؤدي الضغط المزمن إلى انخفاض رضاها عن ذاتها والشعور بالعجز أو الاستنزاف، وقد يتطور الأمر لدى بعض النساء إلى أعراض القلق أو الاكتئاب عندما لا يكون هناك أي تقنية للتعامل مع الأعباء الحياتية الناتجة عن العمل والمسؤوليات الاجتماعية الأخرى، مؤكدةً أن التعامل المبكر مع الضغوط يعد ضرورة ملحة للحفاظ على الصحة النفسية وجودة الحياة.

وأفادت أن التوازن لا يعني توزيع الوقت بالتساوي بين جميع المسؤوليات، بل إدارة الطاقة والجهد بطريقة واقعية ومنطقية وصحية، وذكرت أن من أهم الاستراتيجيات التي تساعد المرأة على تحقيق ذلك تحديد الأولويات وتنظيم الوقت وفق خطة واضحة ومدروسة ومحددة الأهداف مع تقبّل أن الإنجاز الكامل في كل المجالات ليس أمراً واقعياً دائماً.

وتحدثت عن أن مشاركة أفراد الأسرة في المسؤوليات المنزلية تلعب دوراً مهماً في تخفيف الأعباء ووجود الأشخاص الداعمين الذين يعينونها على مشقة المهام، إضافة إلى أهمية وضع حدود واضحة بين وقت العمل ووقت الأسرة.

وأشارت إلى أهمية عدم نقل وتحويل متاعب العمل للمنزل والعكس صحيح، وما يساعد في ذلك ترك وقت حقيقي لنفسها لتمارس ما تفضل وتحب، لتعيد شحن طاقتها باستمرار، وبالطبع تبقى المرونة النفسية عاملاً أساسياً إذ تساعد المرأة على التكيف مع الظروف المتغيرة دون أن تقع تحت ضغط المثالية المفرطة.

وأوضحت أنها تنصح كل امرأة بأن تتعامل مع نفسها بقدر من الرحمة والتفهم والأمان الذي تمنحه للآخرين، فالعناية بالنفس تعد حاجة نفسية أساسية وأصيلة.

وأكدت أن من المهم تخصيص وقت يومي حتى لو كان قصيراً لممارسة نشاط يمنح الراحة والهدوء، كالمشي أو القراءة أو التأمل أو ممارسة هواية محببة، كما أن بناء جسر من العلاقات الداعمة الحقيقية والتعبير عن المشاعر وإفساح المجال للتعبير الآمن عما تعايشه، يسهم في تعزيز الصحة النفسية.

وشددت الاختصاصية سمية في تصريح خاص لـ شام، على ضرورة التخلي عن فكرة الكمال المطلق في كل جوانب الحياة لأن السعي الدائم إلى المثالية يستهلك طاقة نفسية كبيرة ويزيد من مشاعر الإرهاق والإحباط وينافي واقعية الحياة بظروفها المتغيرة.

وبيّنت أن الاستقلالية المادية تمثل أحد العوامل المهمة في تعزيز الشعور بالأمان النفسي والمالي والكفاءة الذاتية، فعندما تمتلك المرأة القدرة على إدارة مواردها والمساهمة في تلبية احتياجاتها وتحقيق أهدافها يزداد شعورها بالثقة والقدرة على اتخاذ القرار.

وذكرت أن أثر الاستقلال المادي لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط بل يمتد أثره إلى الجانب النفسي حيث يعزز الشعور بالإنجاز والاستقلالية، كما يمنح المرأة مساحة أوسع لتحقيق طموحاتها والمشاركة الفعّالة في المجتمع، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على تقديرها لذاتها وشعورها بالرضا عن حياتها.

وأكدت أن المرأة العاملة ليست شخص يؤدي أدواراً متعددة فحسب، بل هي طاقة إنسانية قادرة على العطاء والإبداع متى ما وجدت التوازن والدعم والوعي النفسي الكافي، مشيرةً إلى أن الحفاظ على صحتها النفسية لا ينعكس عليها فحسب بل على المجتمع كاملاً، حيث تسهم في بناء أسر أكثر استقراراً ومجتمعات أكثر ازدهاراً وتعافياً.

وفي ضوء ما سبق، تبقى قضايا عمل المرأة وما يرتبط بها من دوافع وضغوط من الموضوعات المطروحة في السياق الاجتماعي والاقتصادي، في ظل استمرار توجه النساء نحو سوق العمل وتعدد الظروف المحيطة بتجاربهن المختلفة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ