السبّ والشتم: متى يُعدّ الاعتداء اللفظي جريمة يعاقب عليها القانون؟
يُعدّ السبّ والشتم من السلوكيات التي قد تصدر في مواقف مختلفة، وقد تصل في بعض الحالات إلى حدّ المساس بكرامة الأفراد وسمعتهم، وبين ما يُعدّ انفعالاً لفظياً، وما قد يُصنّف كاعتداء يُعاقب عليه القانون، تبرز الحاجة إلى توضيح الحدود الفاصلة بينهما، خاصة مع اختلاف السياقات التي تُقال فيها هذه العبارات، سواء بشكل مباشر أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
الاعتداء اللفظي بين الانفعال والسلوك المؤذي
تعود أسباب ترسّخ السبّ والشتم في بعض البيئات إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من أبرزها اعتياد الفرد على هذا الأسلوب منذ الصغر داخل الأسرة أو المحيط الاجتماعي، حيث يُنظر إليه كوسيلة طبيعية للتعبير عن الغضب أو الخلاف.
كما يلعب ضعف الوعي بأثر الكلمات دوراً مهماً في استمرار هذا السلوك، إلى جانب التساهل معه في بعض الحالات، ويُضاف إلى ذلك الضغوط النفسية والتوتر، التي قد تدفع البعض لاستخدام ألفاظ جارحة كوسيلة للتفريغ، فضلاً عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي قد تُسهم في انتشار هذا النمط من الخطاب دون إدراك كافٍ لعواقبه.
يشير أخصائيون في علم النفس إلى أن تكرار استخدام ألفاظ السبّ والشتم قد يكون مؤشراً على ضعف في مهارات التعبير عن المشاعر أو التحكم في الانفعالات، خاصة في حالات الغضب أو الإحباط، كما يرون أن هذا السلوك قد يتعزز في بعض البيئات التي تتساهل معه أو لا تعتبره سلوكاً مرفوضاً بشكل واضح، حيث يُنظر إليه أحياناً كوسيلة طبيعية للتعبير، مما يسهم في ترسيخه واستمراره.
متى يتحول السبّ إلى جريمة؟
وعلى الصعيد القانوني، قالت المحامية رقية إبراهيم في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن القانون يعرّف الاعتداء اللفظي بأنه استعمال كلمات أو عبارات تمسّ كرامة الشخص أو سمعته أو تحقّره أمام الآخرين، وأضافت أن ليس كل سبّ أو شتم يُعد جريمة، موضحة أن الأمر يعتمد على طبيعة الكلمات المستخدمة، وقصد الشخص الذي قالها، والمكان الذي قيلت فيه سواء بشكل علني أو خاص، إضافة إلى ما إذا كانت قد سببت إساءة للكرامة أو السمعة.
وأشارت إلى وجود فرق بين السبّ العادي والسبّ المعاقب عليه قانوناً، مبينة أن السبّ العادي يكون مجرد كلام سيئ أو انفعال لحظي دون أن يصل إلى درجة يعاقب عليها القانون، في حين أن السبّ المعاقب عليه يتمثل في كلام يتضمن إهانة واضحة لشخص معين وتمس كرامته أو اعتباره، خاصة إذا قيل أمام الآخرين أو جرى نشره.
ونوهت إلى أن الكلام قد يتحول إلى قذف أو تشهير في حالات محددة، حيث يُقصد بالقذف اتهام شخص بارتكاب فعل مشين أو جريمة أو أمر يسيء إلى سمعته دون وجود دليل أو حكم يثبت ذلك، وبينت أن الفرق بين القذف والتشهير يكمن في أن القذف غالباً ما يكون اتهاماً بواقعة محددة، بينما يتمثل التشهير في إيصال الإساءة أو المعلومات الضارة إلى الجمهور.
ولفتت المحامية رقية إلى أن العقوبة قد تختلف إذا وقع السبّ بشكل مباشر أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن السبّ عبر هذه الوسائل قد يكون أشد، لأنه ينتشر أمام عدد أكبر من الناس، ويمكن حفظه وإعادة نشره، وقد يُعتبر نشراً علنياً للإساءة.
وذكرت أن هناك عدة وسائل يمكن من خلالها إثبات واقعة السبّ أو الشتم، مثل الرسائل المكتوبة أو المحادثات الإلكترونية، وصور الشاشات، والتسجيلات أو المنشورات العلنية، إضافة إلى الشهود الذين حضروا الواقعة، أو أي دليل يثبت صدور الكلام من الشخص المعني.
وتحدثت المحامية عن حق الشخص المتضرر في اللجوء إلى القانون، موضحة أنه يحق له تقديم شكوى أو ادعاء أمام الجهات المختصة، وأن الإجراءات تكون عادة بشكل مبسط.
وأوضحت أن التنازل أو الصلح قد يؤثر على مجريات القضية، مبينة أنه في بعض جرائم الذم والقدح والتحقير، يمكن أن يكون التنازل أو المصالحة سبباً لإنهاء الدعوى أو تخفيف آثارها، وذلك بحسب وضع القضية ومرحلتها القانونية.
وأكدت أنه في القانون السوري ليست كل كلمة جارحة جريمة، لكن عندما تتحول الإساءة إلى إهانة واضحة للكرامة، أو اتهام يمس السمعة، أو نشر علني أمام الآخرين، فإنها قد تصبح فعلاً يعاقب عليه القانون.
وينصح الأخصائيون بضرورة تعزيز مهارات التواصل الإيجابي، من خلال التحكم بردود الفعل، والتعبير عن المشاعر بطريقة هادئة، وتجنب الانفعال، لما لذلك من دور في الحد من هذا السلوك وتحسين جودة التفاعل بين الناس.
يلعب المجتمع دوراً محورياً في الحد من ظاهرة الاعتداء اللفظي من خلال نشر ثقافة الاحترام وتعزيز قيم الحوار البنّاء بين الأفراد، إذ تسهم الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام في ترسيخ سلوكيات قائمة على تقبّل الآخر وضبط الانفعالات.
كما تبرز أهمية حملات التوعية في توضيح الآثار القانونية والنفسية للكلمات الجارحة، ما يدفع الأفراد إلى إدراك خطورة هذا السلوك وتجنبه، إضافة إلى تشجيع المتضررين على عدم الصمت وطلب الدعم، بما يعزز بيئة اجتماعية أكثر أماناً واحتراماً.
يندرج السبّ والشتم ضمن سلوكيات قد تحمل أبعاداً نفسية واجتماعية، وقد تصل في بعض الحالات إلى مستوى يُعاقب عليه القانون، وذلك تبعاً لطبيعة العبارات المستخدمة والسياق الذي قيلت فيه، ويُبرز ذلك أهمية التمييز بين الحالات المختلفة وفهم انعكاساتها ضمن الإطارين القانوني والاجتماعي.