غريفث يحذر من خذلان السوريين
غريفث يحذر من خذلان السوريين
● سياسة ٢٤ يوليو ٢٠٢٦

غريفث يحذر من خذلان السوريين مجدداً ويدعو إلى دعم الاقتصاد وتهيئة الاستثمار

حذّر نائب الأمين العام السابق للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية مارتن غريفيث من تكرار خذلان الشعب السوري، داعياً المجتمع الدولي إلى تقديم دعم عاجل لسوريا ومساندة جهود إعادة بناء اقتصادها، بالتوازي مع توفير بيئة قانونية أكثر أماناً وقدرة على جذب الاستثمارات الخاصة.

وقال غريفيث، في مقال نشره موقع «الجزيرة الإنجليزية» بعنوان «يجب ألا يُخذَل الشعب السوري مرة أخرى»، إن تحقيق الاستقرار في سوريا يرتبط بصورة مباشرة باستقرار اقتصادها، مؤكداً أن البلاد تحتاج إلى دعم دولي واسع وإلى معالجة المخاطر التي لا تزال تمنع المستثمرين من دخول السوق السورية.

خمسة عشر عاماً من المعاناة وفشل الانخراط الدولي

أقر غريفيث بأن الملف السوري ظل حاضراً في تفكيره فترة طويلة، بعد خمسة عشر عاماً من المعاناة التي عاشها السوريون، مقابل خمسة عشر عاماً من الإخفاق في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع قضيتهم.

وأوضح أنه كان جزءاً مباشراً من هذا المسار، بداية بعمله عضواً بارزاً في مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، ثم توليه رئاسة مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، مشيراً إلى أنه لا يستطيع، انطلاقاً من تلك المسؤوليات، أن يدّعي البراءة أمام الشعب السوري من نتائج الفشل الدولي.

وتحدث غريفيث عن مشاركته، خلال عمله في الأمم المتحدة، في اجتماعات عديدة مع مسؤولين كبار في نظام بشار الأسد، شملت لقاءات مباشرة مع رئيس النظام السوري البائد. وقال إن بعض المنتقدين اتهموه واتهموا الأمم المتحدة بالحفاظ على هذا التواصل ضمن مقايضة هدفها الحصول على تسهيلات أفضل لوصول المساعدات الإنسانية.

ورفض غريفيث هذا التفسير، موضحاً أن الوكالات الإنسانية ومسؤوليها يلتقون عادة كل من يملك القدرة على تسهيل وصول المساعدات أو عرقلتها، وأن هذا التواصل تفرضه طبيعة العمل الإنساني. وأضاف أن الوسطاء يتبعون النهج نفسه عندما يلتقون أطراف النزاع سعياً إلى إنهائه.

وأشار إلى أن اجتماعاته المتكررة مع بشار الأسد كانت تهدف إلى الضغط عليه لاتخاذ قرارات تتعلق بحقوق السوريين وسلامتهم، لافتاً إلى أن رئيس النظام البائد كان واحداً من عدة أشخاص امتلكوا، خلال العقود الخمسة التي أمضاها غريفيث في العمل الدبلوماسي، سلطة واسعة استخدمت في صناعة المعاناة واستمرارها.

واستعاد غريفيث واقعة تعود إلى عام ٢٠١٢، عندما كان يقيم في دمشق ويجري مفاوضات يومية وصفها بالعقيمة مع مسؤولي النظام البائد نيابة عن الأمم المتحدة. وقال إنه كان يثير باستمرار قضية المعتقلين، قبل أن يوقف المسؤول الجالس قبالته الساعة خلال أحد الاجتماعات، ويطلب إغلاق الميكروفونات ووضع الأقلام جانباً.

وبحسب رواية غريفيث، أبلغه المسؤول حينها بأن عليه التوقف عن إضاعة وقته في هذا الملف، مؤكداً أن النظام لن يفرج عن المعتقلين ولن يعترف بحقيقة احتجازهم.

وأضاف أنه اقترح على بشار الأسد، خلال اجتماع خاص عقد عام ٢٠٢٢، إفراغ السجون، إلا أن رئيس النظام السوري البائد ادعى أن السجون أُفرغت بالفعل وأنها لم تعد تضم أي معتقل.

وفي العام التالي، وبعد الزلازل المدمرة التي ضربت سوريا، التقى غريفيث بشار الأسد ثلاث مرات، موضحاً أن مهمته كانت إقناعه باتخاذ الإجراءات الضرورية والواضحة لحماية حقوق السوريين وتحسين أوضاعهم، قبل أن يقر بأن تلك الجهود فشلت بصورة كاملة.

التحرك العسكري أنهى ما عجزت عنه المفاوضات

اعتبر غريفيث أن التحرك العسكري الذي انتهى بدخول دمشق وسقوط النظام البائد هو الذي أنقذ الشعب السوري ومهّد الطريق أمام مرحلة السلام، في وقت لم تتمكن فيه سنوات الحوار والجهود الدبلوماسية من وقف المعاناة.

وقال إن هذا الاستنتاج يمثل حقيقة قاسية بالنسبة إلى شخص كرّس حياته للحوار والتفاوض، مضيفاً أنه أدرك متأخراً أن التحرك العملي كان مطلوباً منذ سنوات، وأن الاكتفاء بالمحادثات لم يكن قادراً على تحقيق النتائج التي احتاج إليها السوريون.

ورأى غريفيث أن الخطأ الأساسي الذي ارتكبه المجتمع الدولي تمثل في استبعاد تغيير النظام منذ البداية بوصفه طريقاً لإنهاء معاناة السوريين، والاتجاه بدلاً من ذلك إلى إنشاء مجموعة «أصدقاء سوريا»، التي ضمت بصورة رئيسية دولاً غربية وحلفاء إقليميين.

وأوضح أن المجموعة قدمت دعماً للمعارضة السورية في مواجهة بشار الأسد، لكنها لم تُحدث تأثيراً ملموساً في وقف الاعتقالات والقتل اليومي الذي طال، بحسب وصفه، كل عائلة سورية تقريباً.

وأضاف أن الأكاذيب استمرت طوال سنوات المعاناة السورية، معتبراً أن الحرب انتهت الآن وأن المهمة الأساسية باتت بناء السلام. وأشار إلى أن موجة التفجيرات الأخيرة في دمشق أظهرت وجود جهات تسعى إلى إفشال سوريا وعرقلة انتقالها إلى الاستقرار.

إعادة بناء الاقتصاد أولوية المرحلة

أكد غريفيث أن إعادة بناء الاقتصاد يجب أن تتصدر أولويات المرحلة الحالية، مشيراً إلى أن السوريين أصبحوا أكثر فقراً عاماً بعد آخر تحت التأثير المتزامن للحرب والعقوبات والانهيار الاقتصادي.

وقال إن ثلثي سكان سوريا يعيشون حالياً في فقر مدقع، رغم ما تمتلكه البلاد من طاقات بشرية كبيرة وموقع يجعل استقرارها مهماً للدول المجاورة.

وأشار إلى أن المساعدات لا تزال تصل إلى سوريا، وأن دول الخليج والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تواصل تقديم الدعم، إلا أن الموارد المتاحة تُوزع على نطاق واسع ولا تكفي لتأسيس استجابة مستدامة للأزمات المتراكمة.

ورأى غريفيث، استناداً إلى تجربته الطويلة في العمل الإنساني، أن معالجة الأزمة السورية على نحو مستدام تتطلب توجيه استثمارات خاصة إلى الاقتصاد، وعدم الاعتماد على المساعدات وحدها.

وأوضح أن سوريا تملك فرصاً كبيرة للنمو في قطاعات المصارف والطاقة والبناء ومعالجة الأغذية والزراعة التجارية والصناعات الخفيفة، مشيراً إلى أن رؤوس أموال السوريين المقيمين في الخارج تستطيع المساهمة في إطلاق التعافي الاقتصادي.

واستدرك بأن مساهمة المغتربين لن تكون كافية بمفردها، إذ تحتاج عملية النهوض الاقتصادي إلى رؤوس أموال دولية كبيرة، إلى جانب الدعم التقني والخبرات اللازمة لتطوير القطاعات الإنتاجية والخدمية.

العقوبات والضمانات القانونية أمام المستثمرين

حدد غريفيث مشكلتين رئيسيتين ما زالتا تواجهان جهود التعافي، تتمثل الأولى في ضرورة إزالة ما تبقى من العقوبات المفروضة على سوريا، وهو إجراء وصفه بالمتأخر، محذراً من أن استمرار العقوبات يشكل تهديداً لجهود بناء السلام.

أما المشكلة الثانية، وفق غريفث، فتتعلق بكيفية إدارة المخاطر التي يواجهها المستثمرون الراغبون في دخول السوق السورية.

واعتبر أن إعلان الولايات المتحدة الأخير عزمها إزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل خطوة مهمة على طريق معالجة ملف العقوبات وتخفيف القيود المرتبطة به.

ونقل غريفيث عن سفير بارز في دمشق قوله إن هناك توافقاً دولياً على دعم سوريا، لكن البلاد لا تزال غير قادرة على توفير قواعد مستقرة يمكن توقعها، أو ضمانات وحماية قانونية تجعل الاستثمار ممكناً وآمناً.

ودعا غريفيث الحكومة السورية إلى تهيئة بيئة أكثر أماناً للاستثمار، وتخفيف مستوى المخاطر التي قد تتحملها الشركات ورؤوس الأموال، من خلال تشريعات مدروسة وواضحة، بدلاً من الاعتماد على المراسيم أو الوعود.

ورأى أن قدرة المؤسسات السورية على تنفيذ الالتزامات المعلنة لا تزال محدودة، معتبراً أن الجمود الإداري والتردد في اتخاذ القرارات يؤديان في حالات كثيرة إلى تعطيل الفرص الاستثمارية.

وطالب الحكومة السورية باتخاذ خطوات معلنة وحاسمة، وإشراك الجهات المعنية في صياغة السياسات الاقتصادية والقانونية المطلوبة، بما يعزز ثقة المستثمرين ويمنحهم القدرة على اتخاذ قرارات طويلة الأجل.

وختم غريفيث مقاله بالتأكيد أن أهمية هذه الخطوات تتجاوز حدود الاقتصاد السوري، نظراً إلى الدور المحوري لسوريا في استقرار المنطقة، ولا سيما في ظل تصاعد النزاعات والتوترات في الشرق الأوسط.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ