المحتوى غير الهادف بين الشهرة والتقليد.. معالجة نفسية توضح مخاطره على وعي الشباب وسلوكهم؟
أصبح الأطفال والشباب أكثر تعرضاً للمحتوى الرقمي مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، في ظل تنوع المواد المنشورة وسهولة الوصول إليها، ما يثير تساؤلات حول تأثير بعض أنماط المحتوى في سلوكهم وتقديرهم لذواتهم وطريقة تعاملهم مع الآخرين.
وتبرز المخاوف بصورة خاصة من المحتوى الذي يروج للتنمر والسخرية والاستعراض والمكاسب السريعة، أو يقدم الشهرة والمظاهر بوصفها معايير للنجاح والقيمة الشخصية، وسط حاجة متزايدة إلى تعزيز الوعي الرقمي لدى الأطفال والمراهقين.
وقالت المعالجة النفسية صهباء الخضر، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن تأثير المحتوى غير الهادف يرتبط بطبيعته وتكرار التعرض له، إلى جانب عمر المتلقي وبيئته الأسرية والاجتماعية، مؤكدة أن هذه التأثيرات ليست حتمية ولا تنطبق على جميع الشباب بالدرجة نفسها.
كيف يؤثر المحتوى المتكرر في السلوك؟
أوضحت الخضر أن المحتوى غير الهادف، من المنظور النفسي والتربوي، يشمل المواد التي تقدم سلوكيات أو رسائل قد تضر بالنمو النفسي والاجتماعي والأخلاقي، مثل تشجيع العنف والتنمر والإهانة والاستغلال، أو اختزال العلاقات الإنسانية في المظاهر والمكاسب.
وبيّنت أن تكرار مشاهدة هذه السلوكيات قد يجعلها أكثر ألفة لدى المتلقي، خصوصاً عندما تُعرض بصورة ترفيهية وتحظى بالإعجاب والانتشار، ما قد يؤدي تدريجياً إلى التعامل معها بوصفها ممارسات عادية.
وأضافت أن التعلم بالملاحظة يؤدي دوراً مهماً في اكتساب السلوكيات، إذ قد يميل بعض الشباب إلى تقليد أشخاص يحققون الشهرة والقبول الاجتماعي من خلال تصرفات مثيرة للجدل.
كما تسهم الإعجابات والتعليقات وأعداد المشاهدات في تعزيز بعض أنماط التفاعل، عندما تتحول إلى مصدر للشعور بالتقدير والاهتمام.
انعكاسات على الثقة بالنفس والتركيز
أشارت الخضر إلى أن مرحلتي الطفولة والمراهقة تتسمان باستمرار تشكل الهوية ومنظومة القيم، ما يجعل طبيعة المحتوى الذي يتعرض له الفرد عاملاً مؤثراً في نظرته إلى نفسه ومحيطه.
وأوضحت أن مشاهدة صور مثالية ومبالغ فيها للجمال والنجاح والسعادة قد تعزز المقارنة الاجتماعية والشعور بعدم الرضا عن الذات، ولا سيما عندما يربط الشاب قيمته الشخصية بمظهره أو بعدد المتابعين والإعجابات.
ولفتت إلى أن الاعتماد المفرط على المحتوى السريع والمثير قد يؤثر في القدرة على الانتباه والصبر أثناء ممارسة الأنشطة التي تحتاج إلى تركيز وجهد مستمر، ويعزز البحث عن المكافأة الفورية.
وأضافت أن بعض الأطفال والمراهقين قد يكتسبون سلوكيات قائمة على السخرية أو العدوان اللفظي، أو يتعاملون مع الآخرين باعتبارهم وسيلة لتحقيق المشاهدات والتفاعل.
وأكدت أن حجم التأثير يختلف بحسب مدة التعرض وطبيعة المحتوى ومستوى الوعي النقدي، إضافة إلى وجود التوجيه الأسري والدعم الاجتماعي.
الشهرة والاستعراض وتأثيرهما في القيم
بيّنت المعالجة النفسية أن القيم تتشكل من خلال التربية والتجارب اليومية والنماذج التي يتفاعل معها الإنسان، بما في ذلك الشخصيات والمحتويات التي تحظى بالاهتمام على منصات التواصل.
وأوضحت أن تقديم الشهرة بوصفها معياراً أساسياً للنجاح قد يؤثر في تقدير الشباب للعمل والجهد والمثابرة، فيما قد يؤدي انتشار المحتوى القائم على السخرية والإهانة إلى إضعاف الاهتمام باحترام الآخرين وكرامتهم.
كما أن تصوير العلاقات الإنسانية باعتبارها وسيلة للاستغلال أو تحقيق المكاسب قد ينعكس على مفاهيم الثقة والمسؤولية والالتزام.
وحذرت من أن مكافأة السلوك الاستفزازي بالانتشار والتفاعل قد تدفع بعض الشباب إلى الاعتقاد بأن إثارة الجدل تمثل طريقاً سريعاً للحصول على الاهتمام.
وشددت الخضر على ضرورة التمييز بين التطور الطبيعي للقيم الاجتماعية واكتساب سلوكيات ضارة، موضحة أن اختلاف المحتوى عن المألوف لا يجعله سلبياً بالضرورة، وأن انتشاره الواسع لا يعني أنه مفيد أو صحي.
لماذا ينجذب الشباب إلى المحتوى غير الهادف؟
أوضحت الخضر أن انجذاب بعض الشباب إلى هذه المحتويات يرتبط باحتياجات نفسية واجتماعية، ولا يمكن تفسيره بمجرد ضعف التربية أو غياب القيم.
وأشارت إلى أن الحاجة إلى الانتماء والقبول الاجتماعي قد تدفع المراهق إلى متابعة محتوى شائع بين أصدقائه، حتى يشعر بأنه جزء من المجموعة ويشاركها اهتماماتها.
كما قد تدفع الحاجة إلى التقدير بعض الشباب إلى البحث عن الإعجابات والتعليقات والمتابعين، باعتبارها مؤشرات تمنحهم شعوراً بالاهتمام والاعتراف الاجتماعي.
وأضافت أن مرحلة المراهقة تترافق مع محاولات لاكتشاف الهوية وتجربة أنماط مختلفة من السلوك والمظهر والتعبير عن الذات، ما قد يزيد التأثر بالشخصيات التي تحقق شهرة أو مكاسب مادية بصورة سريعة.
ولفتت إلى أن الفضول والرغبة في الإثارة يؤديان دوراً إضافياً، خصوصاً مع المحتويات التي تعتمد على الصدمة والاستفزاز لجذب الانتباه.
وأكدت أن التعامل مع الظاهرة يتطلب فهم هذه الدوافع وتوفير بدائل تلبي احتياجات الشباب النفسية والاجتماعية، بدلاً من الاكتفاء باللوم أو مهاجمة ما يشاهدونه.
الأسرة بين التوجيه والرقابة
شددت الخضر على أن حماية الأطفال والمراهقين من التأثيرات السلبية للمحتوى الرقمي لا تتحقق بالمنع والرقابة وحدهما، كما أن تركهم دون توجيه قد يزيد تعرضهم للمخاطر.
ودعت إلى بناء علاقة أسرية تسمح للأبناء بمناقشة ما يشاهدونه دون خوف من السخرية أو العقاب، مع الاهتمام بنوعية المحتوى الذي يتابعونه، وليس فقط بعدد الساعات التي يقضونها أمام الشاشات.
وأوضحت أن بإمكان الأهل تعزيز التفكير النقدي من خلال مناقشة الرسائل التي يقدمها صناع المحتوى، وأسباب عرض سلوكيات معينة، ومدى تعبير الصور والمقاطع المنشورة عن الواقع.
كما أكدت أهمية تقديم نماذج إيجابية داخل الأسرة، ووضع ضوابط مناسبة لأعمار الأبناء، مع توضيح أسبابها وإشراكهم في فهمها.
التربية الرقمية ودور المدرسة والمختصين
دعت الخضر إلى إدماج التربية الإعلامية والرقمية في العملية التعليمية، بما يساعد الطلاب على التمييز بين المحتوى المفيد والمواد التي تستغل الانفعالات لجذب المشاهدات.
وأشارت إلى أهمية تعليم الطلاب مهارات التحقق من المعلومات، وفهم أساليب التأثير والإقناع والتلاعب بالمشاعر، واحترام الخصوصية والحقوق الرقمية، والتفكير في عواقب المشاركة وإعادة النشر وتقليد السلوكيات المنتشرة.
وفيما يتعلق بدور المختصين النفسيين والتربويين، أكدت أهمية تنفيذ برامج توعوية لتعزيز تقدير الذات وتنمية التفكير النقدي ومهارات تنظيم الانفعالات واتخاذ القرار.
وأوضحت أن الانجذاب المفرط إلى بعض المحتويات قد يرتبط أحياناً بالشعور بالوحدة أو ضعف الانتماء أو الحاجة إلى التقدير، ما يستدعي الاهتمام بالاحتياجات النفسية الكامنة وراء هذا السلوك.
ولفتت إلى أهمية توفير أنشطة بديلة، تشمل الرياضة والفنون والثقافة والعمل التطوعي، إلى جانب تشجيع العلاقات الاجتماعية الصحية التي تمنح الشباب فرصاً للتفاعل والإنجاز خارج العالم الرقمي.
ويبرز تعزيز الوعي الرقمي والحوار الأسري والتربية الإعلامية بوصفها أدوات أساسية لمساعدة الأطفال والشباب على التعامل مع المحتوى المنشور بصورة نقدية ومسؤولة، مع مراعاة اختلاف احتياجاتهم النفسية والاجتماعية ومراحل نموهم.