العدالة طريق السوريين إلى التعافي.. كم مجرم كـ "أمجد يوسف" كان في سوريا؟
عندما يسمع السوريون اسم أمجد يوسف، لا يستحضرون شخصاً واحداً فقط، بل يستحضرون وجهاً من وجوه آلة القتل التي حكمت البلاد لعقود ذلك الرجل الذي ظهر في تسجيلات مجزرة التضامن وهو يقتاد المدنيين إلى حتفهم بدم بارد لم يكن وحشاً خرج من العدم، ولم يكن حالة فردية شاذة داخل مؤسسة سليمة، بل كان نتاج منظومة كاملة صممت لتجعل القتل أداة حكم، والخوف وسيلة إدارة، والإفلات من العقاب ثقافة راسخة.
ومع كل تطور يعود السؤال المؤلم إلى الواجهة كم أمجد يوسف كان موجوداً في سوريا؟ وكم أمجد يوسف ما زالت أسماؤهم مجهولة حتى اليوم؟ الحقيقة الصادمة أن الجرائم التي عاشها السوريون خلال السنوات الماضية لا يمكن أن يكون قد ارتكبها فرد واحد أو حتى عشرات الأفراد.
فحين نتحدث عن مئات آلاف المعتقلين، وآلاف حالات الإخفاء القسري، ومئات المجازر، وعشرات مراكز الاحتجاز والفروع الأمنية والسجون العسكرية، فإننا نتحدث عن شبكة هائلة من الأشخاص الذين شاركوا بصورة مباشرة أو غير مباشرة في صناعة المأساة السورية.
من الذي اعتقل الطلاب من بيوتهم؟ ومن الذي داهم القرى والبلدات؟ ومن الذي كان يقف على الحواجز ليسلم المطلوبين إلى الأفرع الأمنية؟ ومن الذي قاد سيارات المداهمة؟ ومن الذي كتب التقارير الأمنية؟ ومن الذي أشرف على التحقيق والتعذيب؟ ومن الذي أصدر أوامر القصف؟ ومن الذي ألقى البراميل المتفجرة؟ ومن الذي ضغط على زناد البندقية؟ ومن الذي وقّع أوامر الإعدام؟ كل واحد من هؤلاء كان جزءاً من المشهد.
وفق قواعد البيانات الموثقة لدى الشبكة السورية لحقوق الإنسان، تم توثيق أسماء نحو 16 ألفاً و200 شخص متورطين في الانتهاكات وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لصالح النظام البائد.
ويشمل ذلك أكثر من 6700 فرد من القيادات والعناصر التابعة للجيش والأجهزة الأمنية والمخابرات فقط. كما أعدت جهات أممية قوائم سرية تضم قرابة 4000 مشتبه بارتكابهم جرائم خطيرة في سوريا بانتظار مسارات المحاسبة المستقبلية.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد إحصاءات جامدة، بل تكشف حجم المنظومة التي كانت تعمل لإدامة القمع خلف كل رقم ضحية، وخلف كل اسم مسؤولية، وخلف كل منصب قرار أدى إلى مأساة إنسانية.
وعندما يتساءل السوريون اليوم عن العدالة، فإنهم لا يسألون فقط عن مصير أمجد يوسف أو بضعة أسماء معروفة السؤال الحقيقي يتعلق بآلاف الأشخاص الذين أدوا أدواراً مختلفة في ماكينة الانتهاكات.
فمجازر الغوطة وخان شيخون والحولة والتضامن وداريا وتدمر وصيدنايا وغيرها لم تُنفذ على يد شخص واحد كانت تحتاج إلى طيارين يقلعون بطائراتهم، وضباط يعطون الأوامر، وعناصر تنفذ التعليمات، ومسؤولين يغطون الجرائم، وقادة يضمنون استمرارها.
لهذا السبب فإن العدالة ليست قضية انتقام من أفراد، بل قضية كشف حقيقة منظومة كاملة. فكلما ظهرت شخصية مثل أمجد يوسف إلى العلن، يدرك السوريون أن ما رأوه ليس سوى جزء صغير من الصورة الأكبر صورة نظام قام على تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات للقمع، وعلى منح الحصانة للجلادين طالما كانوا ينفذون الأوامر.
ومع ذلك، فإن ضخامة الجريمة لا تعني استحالة العدالة التجارب الإنسانية أثبتت أن الجرائم الكبرى قد تتأخر محاسبتها، لكنها لا تسقط بالتقادم واليوم تمتلك الجهات الحقوقية والدولية آلاف الوثائق والشهادات والأدلة، كما تم الحفاظ على نسبة كبيرة من أرشيف المؤسسات الأمنية والعسكرية، وهو ما يمنح السوريين فرصة تاريخية للوصول إلى الحقيقة.
قد لا يمثل أمام القضاء كل من تورط في الانتهاكات، لكن مجرد كشف الأسماء وتوثيق الجرائم وحفظ حقوق الضحايا يمثل خطوة أساسية في طريق طويل نحو الإنصاف فالعدالة ليست فقط أحكاماً تصدرها المحاكم، بل هي أيضاً اعتراف بالحقيقة، وحماية للذاكرة، ورسالة للأجيال القادمة بأن ما جرى لن يُمحى ولن يُنسى.
لذلك فإن السؤال ليس: من هو أمجد يوسف؟ بل: كم أمجد يوسف كان بيننا؟ وكم واحداً منهم ما زال مجهول الاسم؟ وكم ضحية ما زالت تنتظر أن تُروى قصتها؟
إن مستقبل سوريا لا يمكن أن يبنى على النسيان، بل على الحقيقة ولا يمكن أن يتحقق التعافي ما لم يعرف السوريون ماذا جرى، ومن فعل ذلك، وكيف حدث فالعدالة ليست عبئاً على المستقبل، بل هي الطريق الوحيد للوصول إليه.