التوقيع على الوثائق دون قراءة… تبعات قانونية قد لا تُدرك
يوقع كثيرون على وثائق ومستندات مختلفة بدافع الثقة أو الاستعجال، دون التحقق من مضمونها أو فهم ما تتضمنه من التزامات، وهو ما قد يضعهم لاحقاً أمام تبعات قانونية معقدة يصعب التراجع عنها.
وفي ظل تنوع العقود وتزايد التعاملات، تبرز أهمية الوعي القانوني كعامل أساسي لحماية الحقوق وتجنب الوقوع في نزاعات كان من الممكن تفاديها بقدر من التدقيق والانتباه قبل التوقيع.
وفي هذا السياق، قالت المحامية أحلام أحمد دعدوع في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التوقيع على وثائق ومستندات مختلفة، دون التحقق من مضمونها هو تعبير قانوني عن إرادة الشخص وقبوله بما ورد في الوثيقة، موضحةً أن التوقيع دون قراءة الأوراق المعروضة قد يترتب عليه التزامات مالية أو قانونية أو تعاقدية يصعب التنصل منها لاحقًا، وقد يجد الشخص نفسه ملتزماً بحقوق أو واجبات لم يكن يقصدها.
وأضافت أن الأصل في القانون أن من يوقع على وثيقة يُفترض أنه قد قرأها وفهم مضمونها ووافق عليها، لذلك يتحمل آثار توقيعه، مشيرةً إلى أن القانون يجيز الطعن في بعض الحالات الاستثنائية إذا ثبت وجود غش أو تدليس أو إكراه أو تزوير أو أي سبب قانوني يعيب الإرادة.
وأشارت إلى أن الأضرار أو الخسائر التي قد تنجم عن هذا التصرف قد تتمثل في أشكال عديدة، منها تحمل ديون أو كفالات، أو التنازل عن حقوق مالية أو عقارية، أو القبول بشروط مجحفة، أو الدخول في نزاعات قضائية تستغرق وقتاً وتكلفة وجهداً كبيراً، فضلاً عن الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي قد تترتب على ذلك.
ونوهت إلى أن المحاولات الأولى في حال نشوء خلاف تبدأ بمحاولة تسوية النزاع، وإذا تعذر ذلك تُعرض القضية على القضاء، مبينةً أن المحكمة تنظر إلى الوثيقة الموقعة باعتبارها دليلاً كتابياً، ويصبح على من يطعن بها أن يقدم الأدلة التي تثبت أن إرادته كانت معيبة.
وفيما يتعلق بالصعوبات التي يواجهها المتضرر عند محاولة إثبات أنه لم يكن على علم بمحتوى الوثيقة، بينت دعدوع أن الصعوبة تكمن في أن مجرد الادعاء بعدم قراءة الوثيقة لا يكفي قانوناً، بل يجب تقديم بينات تثبت وجود غش أو تدليس أو إكراه أو غير ذلك من الأسباب القانونية، لافتةً إلى أن هذا الأمر يتطلب أدلة قوية، وقد يستلزم الاستعانة بالشهود أو الخبرة أو القرائن بحسب ظروف كل قضية.
ولفتت في تصريح خاص لـ شام، إلى أنها تنصح بعدم التوقيع على أي وثيقة قبل قراءتها قراءة كاملة وفهم جميع بنودها، وعدم التوقيع على أوراق فارغة، وطلب نسخة من أي مستند يتم توقيعه، وعدم التردد في استشارة محامٍ عند وجود أي غموض، مؤكدةً أن الدقائق التي تُخصص لمراجعة الوثيقة قد تجنب الإنسان سنوات من النزاعات القضائية.
وذكرت أنه بحكم عملها في مهنة المحاماة تعاملت مع عدد من القضايا التي كان سببها التوقيع بدافع الثقة أو الاستعجال دون الاطلاع على مضمون المستندات، مشددةً على أن بعض هذه القضايا تتعلق بعقود أو إقرارات أو وكالات ترتبت عليها التزامات لم يكن أصحابها يتوقعونها.
وتحدثت عن أن القاسم المشترك بين هذه الحالات أن أصحابها قالوا بعد وقوع النزاع إنهم لو قرأوا الوثيقة قبل التوقيع لما وصلوا إلى هذه النتيجة، مؤكدةً أن الوعي القانوني هو خط الدفاع الأول لحماية الحقوق.
وأوضحت أن التعامل مع التوقيع يجب أن يكون مسؤولية قانونية لا إجراءً روتينياً، مشددةً على ضرورة الحذر الشديد، وأن قراءة الوثيقة وطلب التوضيح عند وجود أي غموض واستشارة المختصين عند الحاجة تحمي الأشخاص من خسائر ونزاعات يصعب تداركها مستقبلاً.
وبموازاة ذلك، يشير محامون إلى أن المشكلة لا تتوقف عند إهمال قراءة الوثائق، بل تمتد إلى ضعف الإلمام بالصياغات القانونية وتعقيداتها، ما يجعل بعض البنود عرضة لسوء الفهم أو التأويل المختلف بين الأطراف، وهو ما يظهر لاحقاً في شكل نزاعات يصعب حسمها بسهولة.
ويضيفون أن التسرّع في التوقيع بدافع الثقة أو ضيق الوقت يُعد من أكثر الأسباب شيوعاً للمشكلات القانونية، مؤكدين أن التأنّي وطلب شرح واضح لأي بند غير مفهوم، أو حتى الاستعانة برأي قانوني مختص قبل إتمام التوقيع، خطوات ضرورية تضمن حفظ الحقوق وتقلل من احتمالات الخلاف مستقبلاً.
في المحصلة، يظل التوقيع على الوثائق إجراءً قانونياً يرتب آثاراً ملزمة لا يمكن تجاهلها، ما يجعل التعامل معه بوعي ومسؤولية أمراً ضرورياً، وبين متطلبات الحياة اليومية وتعدد المعاملات، تبقى قراءة المستندات وفهمها خطوة أساسية لتجنب النزاعات، وضمان حماية الحقوق ضمن الأطر القانونية.