التهيئة المبكرة لطلاب الشهادات… خطوات نحو عام دراسي أفضل
مع انقضاء العام الدراسي وبداية العطلة الصيفية، يقضي الطلاب هذه الفترة بين الراحة واستعادة النشاط بعد عام دراسي طويل، في وقت يستعد فيه عدد منهم للانتقال إلى مراحل مفصلية، مثل صف الشهادة الثانوية (البكالوريا) أو شهادة التعليم الأساسي (التاسع)، وهما من أبرز المحطات التعليمية وأكثرها أهمية في المسار الدراسي.
لذلك يوصي عدد من المعلمين بضرورة استثمار العطلة بشكل متوازن، عبر البدء بتهيئة بسيطة ومتدرجة تسبق انطلاق العام الدراسي، بما يساعد طلاب هاتين المرحلتين على الدخول في أجواء الدراسة دون ضغط مفاجئ، ويتيح لهم فرصة لمعالجة نقاط الضعف وتعزيز المهارات الأساسية، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على مستواهم خلال العام الدراسي.
في هذا السياق، قال الأستاذ محمد عساف، مدرس مادة اللغة الإنجليزية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التهيئة المبكرة لطلاب الشهادات لا تندرج ضمن إطار السعي لتحصيل علامات أعلى فحسب، بل تمثل عملية ضبط للمسار النفسي والذهني للتعامل مع عام دراسي استثنائي، موضحاً أن أهميتها تكمن في كسر حاجز الرهبة عبر إزالة الغموض المحيط بـ"سنة الشهادة" وتحويلها في ذهن الطالب من "عقبة مخيفة" إلى "مرحلة دراسية منظمة".
وأضاف عساف أن هذه التهيئة تسهم في تنظيم الإيقاع الحيوي للطالب، من خلال الانتقال التدريجي من العشوائية المرتبطة بالعطلة الصيفية إلى حالة من الانضباط، الأمر الذي يجنّب الطلاب ما وصفه بـ"الصدمة الزمنية والنفسية" التي قد تظهر في الأسبوع الأول من الدوام.
وأشار إلى أن التهيئة المبكرة تتيح كذلك فرصة لترميم الفجوات التعليمية، ولا سيما في المهارات التأسيسية المرتبطة باللغات والرياضيات، والتي تُبنى عليها المناهج الجديدة، ما يجعل هذه المرحلة فرصة ذهبية لإعادة تثبيت الأساسيات.
ونوه عساف، في معرض حديثه عن بدء دراسة المنهاج خلال العطلة، إلى أن القاعدة التربوية في هذا السياق تقوم على مبدأ "الاستكشاف الذكي لا الاستنزاف المبكر"، مبيناً أنه يُنصح الطلاب بالتعرّف على المنهاج واستكشافه دون التوغل في حفظه أو دراسته بشكل مكثف.
وبين أن هذا التعرف، من خلال تصفح العناوين ومعرفة توزيع الوحدات وقراءة النصوص العامة، يمنح العقل ما سماه "خريطة ذهنية" مريحة، تساعد الطالب على الشعور بالألفة عند شرح الدروس لاحقاً داخل الصف.
ولفت إلى أن البدء بالدراسة المكثفة خلال العطلة قد يؤدي إلى نتائج سلبية، من بينها الفهم الخاطئ لبعض المفاهيم نتيجة غياب التوجيه التربوي، أو وصول الطالب إلى منتصف العام وهو يعاني من "الإنهاك النفسي" وفقدان الشغف.
وذكر عساف أنه من الضروري التفريق بين التهيئة المسبقة والدراسة المبكرة المكثفة لضمان سير العملية التعليمية بشكل سليم، موضحاً أن التهيئة تهدف إلى بناء الأساسيات وتنظيم الوقت وتحضير الذهن، في حين تسعى الدراسة المكثفة إلى إنهاء الفصول والوحدات بشكل مبكر.
وتحدث عن الفارق في الجهد المبذول بين الحالتين، حيث تعتمد التهيئة على جهد خفيف إلى متوسط قائم على الذكاء، بينما تتطلب الدراسة المكثفة جهداً عالياً وساعات طويلة في غير وقتها الطبيعي.
وأوضح أن الأثر النفسي لكل منهما يختلف بشكل واضح، إذ تمنح التهيئة المسبقة الطمأنينة وتعزز الثقة بالنفس، في حين تخلق الدراسة المكثفة ضغطاً مبكراً وتزيد من مستويات القلق والملل لدى الطالب.
وأكد عساف أن الحالة النفسية تمثل الوقود الحقيقي لطلاب الشهادات، مشدداً على أهمية الاستعداد النفسي دون خلق ضغط مبكر، وذلك من خلال تفكيك ما وصفه بالمألوف السلبي، كالتوقف عن الاستماع لقصص الفشل أو تضخيم صعوبات التجارب السابقة.
وشدد على ضرورة تركيز الطالب على المجهود بدلاً من النتيجة، عبر ترسيخ قناعة أن النجاح هو عملية تراكمية يومية، وليس حدثاً مفاجئاً في نهاية العام الدراسي.
وأفاد بأن الحفاظ على مساحة للترويح عن النفس يُعد جزءاً أساسياً من الاستعداد النفسي، موضحاً أن ذلك لا يعني حرمان الطالب من هواياته، بل يتطلب جدولة أوقات للراحة والرياضة ضمن خطة متوازنة تساعد على امتصاص القلق.
وأشار عساف إلى أن محاولات الاستعداد المبكر قد تتحول أحياناً إلى عوائق نتيجة بعض الأخطاء الشائعة، سواء من جانب الأهالي أو الطلاب، لافتاً إلى أن الضغط والمقارنة من قبل الأهل قد يحولان المنزل إلى ما يشبه "ثكنة عسكرية"، ويؤديان إلى شحن الطالب بضغط سلبي مدمر.
وأضاف أن بعض الطلاب يقعون في خطأ "البدايات المحرقة"، من خلال الاندفاع لدراسة طويلة تصل إلى 8 أو 10 ساعات يومياً خلال العطلة الصيفية، ما يؤدي إلى استنزاف طاقتهم قبل بدء العام الدراسي فعلياً.
ونوه إلى أن تعدد المصادر التعليمية، بين كتب خارجية ومدرسين ونوطات مختلفة، قبل بداية العام، يسبب تشوشاً في التلقي ويشتت تركيز الطالب.
وبين عساف أن بناء العادات الدراسية لا يتم بشكل مفاجئ، بل يحتاج إلى تدرج مدروس، يبدأ بتنظيم النوم كخطوة أساسية، من خلال تعديل الساعة البيولوجية تدريجياً لتتوافق مع متطلبات العام الدراسي.
ولفت إلى ما يُعرف بقاعدة الـ 20 دقيقة، من خلال البدء بالقراءة أو المراجعة لمدة تتراوح بين 20 و30 دقيقة يومياً فقط، ثم زيادتها بمعدل ربع ساعة أسبوعياً، بهدف تعويد العقل على التركيز لفترات أطول بشكل تدريجي.
وأشار إلى أهمية تهيئة مكان الدراسة، عبر تخصيص ركن هادئ وثابت داخل المنزل، بعيداً عن المشتتات والسرير، بحيث يرتبط هذا المكان في العقل الباطن بحالة التركيز والإنتاجية.
يظل التعامل مع فترة العطلة الصيفية واستثمارها بين الراحة والاستعداد الدراسي أحد العوامل التي تختلف من طالب لآخر، تبعاً لظروفه واحتياجاته التعليمية، في وقت تتنوع فيه الآراء التربوية حول أفضل السبل للتهيئة للعام الدراسي المقبل، خاصة طلاب التاسع والبكالوريا.