التهويدات السورية: عادة قديمة ترافق نوم الأطفال من جيل إلى آخر
تلجأ بعض الأمهات السوريات لاستخدام أسلوب الغناء لأطفالهنّ الصغار، لتهدئتهم ومساعدتهم على النوم أو التوقف عن البكاء، فيرددن كلمات هادئة وعذبة تمنح الطفل إحساساً بالسكينة والأمان، فيستسلم للنوم وقد تلاشت عنه آثار التعب والإرهاق بعد يومٍ طويل.
وتُعدّ هذه العادة تقليداً قديماً متوارثاً، تناقلته الأمهات جيلاً بعد جيل عن الجدّات، حيث حملت التهويدات في طياتها ذاكرة شعبية حيّة، ترافق الطفل في لحظاته الأولى، ويحمل هذا النوع من الأغاني مسميات متعددة تختلف باختلاف المجتمعات ولهجاتها، مثل: المهاواة، والهدهدة، وأغاني المهد، والترويدة، والتهويدة.
ورغم تنوّع أسمائها، فإنها تتفق في مضمونها وغايتها، خاصة أنها تهدف إلى تدليل الطفل وتهدئته حتى ينام، عبر كلمات عذبة وصوت حنون وإيقاع هادئ، كما تحمل هذه الأغاني في طياتها مشاعر الأم، وتعكس ما تختزنه من أفكار وعادات ومعتقدات.
ومن أكثر الأغاني التي ترددت على لسان الجدات في بلاد المشرق العربي ومنها سوريا، "يلا تنام يلا تنام وادبحلك طير الحمام روح يا حمام لا تصدق بضحك على الغالي لينام"، ويمكن وضع اسم الطفل الذي تغني الأم له.
كما رددت الأمهات أغنية بسياق مشابه بعيداً عن ذكر موضوع إيذاء الحمام: "يلا تنام يلا تنام وأهديلك طير الحمام.. روح يا حمام لا تصدق بغنيله حتى ينام.. شعره نازل على جبينه.. روحي وعمري بهدي له".
أحياناً تلجأ بعض الأمهات إلى تأليف هذه الأغاني بشكلٍ ارتجالي، فتنسج كلماتها من مشاعرها الخاصة، وتميل في الوقت نفسه إلى الاستمتاع بالغناء لأطفالهن، حيث يجدن فيه وسيلة للتعبير عن حبهن وحنانهن، لذلك تتنوع مضامينها بين كلمات دافئة مليئة بالمودة، وفي حالات أخرى تعكس ما تعيشه الأم من معاناة أو ضغوط في حياتها اليومية.
من جهة أخرى تأثرت الأمهات والجدات بالأعمال الغنائية التي قدّمها فنانون معروفون عن الأطفال، مثل الأغنية التي غنّتها المطربة اللبنانية فيروز لابنتها “ريما” عندما كانت طفلة، والتي جاء فيها: “يلا تنام ريما يلا يجيها النوم، يلا تحب الصلاة يلا تحب الصوم، ياللا تجيها العوافي كل يوم بيوم”، وقد تداولتها الأمهات في سوريا لاحقاً، مع استبدال اسم “ريما” باسم طفلها أو طفلتها، لتصبح جزءاً من التهويدات الشعبية المتداولة.
وغالباً ما تحكي التهويدات عن قصص قديمة وظروف قاسية عاشتها الأمهات أو الجدات نتيجة الفقدان، فتكون ممزوجة بين كلمات أغاني المهد البسيطة والحالمة وبين أشكال من العتابا المرتجلة، المشبعة بمشاعر الشوق والحنين، فتخاطب من خلالها طفلتها عن غياب الأحبّة وأثره.
وفي بعض الأحيان يكون لكل أم أغنية خاصة بها، تحمل طابعاً فريداً تمتزج فيه مشاعر الحب والحنان وهي تضم طفلها بين ذراعيها، ولا يقتصر استخدام هذه الأغاني على مساعدته على النوم، بل تمتد أيضاً لتهدئته عند البكاء أو التخفيف عنه في حال المرض، عبر تحويل انتباهه عن الألم والتعب من خلال الأهازيج الخفيفة والقصائد الشعبية والعتابا المغنّاة.
مع تطور التكنولوجيا وانتشار الأجهزة الذكية، باتت بعض الأمهات يلجأن إلى تشغيل أغنيات جاهزة عبر الهاتف لمساعدة الطفل على النوم، بدلاً من غنائها بشكل مباشر، وغالباً ما تُختار هذه المقاطع من بين أغانٍ مخصصة للأطفال أو حتى أغانٍ هادئة غير موجهة للصغار، خاصة في الحالات التي تكون فيها الأم منشغلة بأعمال أخرى أو لا تفضل ممارسة الغناء التقليدي.
وبرغم توفر العديد من الأغاني على منصات مثل يوتيوب وغيرها من الثقافتين العربية والأجنبية، إلا أن بعض الأمهات يفضلن الغناء لأطفالهن بأنفسهن بدل تشغيل المقاطع الجاهزة، ما يعكس رغبة الأمهات بتعزيز الارتباط العاطفي المباشر بالطفل، حيث يحمل صوت الأم الحيّ دفئاً وطمأنينة خاصة، ويجعل لحظة النوم أو التهدئة أكثر حميمية وارتباطاً وجدانياً بين الأم وطفلها.
ولا تقتصر فائدة غناء الأم للطفل على مساعدته على النوم وتهدئته فحسب، وإنما تقدم فوائد على الصعيد النفسي، حيث تشير دراسات في علم نفس النمو إلى أن غناء الأم للطفل يساعد على تهدئته وخفض مستوى التوتر لديه، من خلال تأثير الإيقاع الصوتي والنبرة الهادئة في تنظيم الحالة الانفعالية للرضيع، ما يسهّل انتقاله إلى النوم أو الاسترخاء في بعض الحالات.
ويحمل حفاظ الأمهات في سوريا على غناء التهويدات للأطفال العديد من الدلالات الاجتماعية والثقافية، أبرزها الحرص على استمرار العادات والتقاليد الموروثة التي انتقلت من الجدات إلى الأمهات، وسعيهن لإبقائها حاضرة لدى الأجيال الجديدة، كما يدل هذا السلوك على طبيعة العلاقة العاطفية بين الأم وطفلها، القائمة على الاحتواء والحنان والرغبة في تهدئته وإسعاده.