أسباب انتشار البسيلا في بساتين الزيتون وآليات الحد منها في ريف إدلب
سجّلت بساتين الزيتون في ريف إدلب خلال الأيام الماضية انتشاراً ملحوظاً لحشرة "البسيلا"، في ظل ظروف مناخية غير اعتيادية ساهمت في زيادة نشاطها خارج موسمها الطبيعي، وفق ما رصدته جولة ميدانية نفذتها مديرية زراعة إدلب في منطقتي حارم وسلقين.
وخلال الجولة، جرى تقييم واقع انتشار الحشرة وحجم الإصابة في عدد من الحقول، حيث لوحظ توسع واضح في انتشارها رغم محاولات المزارعين تنفيذ عمليات مكافحة متكررة، في حين أرجع الفريق الفني ذلك إلى الظروف الجوية المتمثلة بارتفاع الرطوبة واستمرار الهطولات المطرية وغياب الارتفاع الطبيعي في درجات الحرارة.
وفي سياق المتابعة الميدانية، تواصل مديرية الزراعة في إدلب تنفيذ جولات فنية على بساتين الزيتون في عدد من مناطق المحافظة، شملت حارم وكفرتخاريم وأرمناز، حيث تم الكشف على الحقول المصابة وتقديم إرشادات مباشرة للمزارعين.
وأكدت المديرية على ضرورة التدخل بالرش في البؤر التي تتركز فيها الإصابة، خاصة في الحقول غير المحروثة أو المجاورة للمحاصيل الصيفية، مع التشديد على أهمية اختيار التوقيت المناسب لعمليات الرش واستخدام مواد مساعدة تعزز من فعالية المبيدات وتحسن نتائج المكافحة.
وفي هذا الإطار، قال المهندس علي عبد الكريم الهواري، مهندس زراعي ويعمل حالياً قائد فريق في منظمة وطن ضمن قسم الأمن الغذائي وسبل العيش، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن بسيلا الزيتون (المن القطني) Euphyllura olivina هي حشرة دقيقة الحجم تتغذى على عصارة النبات، وتفرز مادة بيضاء تشبه القطن، مسببة ضعفاً عاماً في الشجرة وتشوهات في الأوراق والثمار.
وأضاف أن هذه الحشرة تنتشر نتيجة انخفاض درجات الحرارة وارتفاع نسبة الرطوبة الجوية وتوفر الأمطار، إضافة إلى وجود أوراق جديدة في الأشجار، ونوه إلى أن قلة التقليم وعدم اهتمام المزارع بالعناية بالأشجار يسهمان في تسريع تكاثرها وانتشارها.
وبيّن أن تأثير بسيلا الزيتون على أشجار الزيتون يتمثل في امتصاص العصارة من البراعم والأوراق الحديثة، ما يؤدي إلى إضعاف الشجرة بشكل عام، كما أوضح أنها تهاجم الأزهار وتتسبب في جفافها وتساقطها، ما ينعكس على ضعف عقد الثمار وانخفاض الإنتاج، لافتاً إلى أنها تفرز مادة بيضاء تشبه القطن على الأزهار والنموات الحديثة، وهي مادة تعيق عملية التزهير وتجذب الغبار.
وذكر أن من أهم العلامات المبكرة للإصابة بهذه الحشرة ملاحظة حشرات صغيرة تقفز بسرعة عند تحريك الأفرع أو لمس الأوراق، إضافة إلى ظهور كتل بيضاء قطنية على الأزهار والبراعم الحديثة، ووجود ندوة عسلية أو إفرازات لزجة على الأوراق والأفرع، فضلاً عن اصفرار وضعف الأوراق الحديثة نتيجة امتصاص عصارتها، وتساقط الأزهار مبكراً في حال الإصابة خلال بداية التزهير.
وأشار إلى أن الفترة الأكثر خطورة لانتشار بسيلا الزيتون تكون خلال فترتين في العام، الأولى في الربيع خلال آذار ونيسان وأيار، وتعد الأخطر بسبب تزامنها مع ظهور الأزهار والبراعم الحديثة التي تفضلها الحشرة، بينما تتمثل الفترة الثانية في الخريف خلال أيلول وتشرين الأول، في حال ظهور نموات جديدة بعد الري، إلا أن ضررها يكون أقل من الربيع لغياب التزهير.
ولفت إلى أن الحد من الإصابة في أشجار الزيتون يتطلب تقليم الأشجار بشكل جيد لتحسين التهوية وزيادة دخول أشعة الشمس إلى داخل الشجرة، ما يقلل من الرطوبة التي تفضلها الحشرة، كما أكد أهمية التسميد المتوازن وعدم الإفراط في الأسمدة الآزوتية لأنها تزيد من النموات الطرفية.
وأوضح أن المراقبة الدورية للأشجار بشكل مستمر أسبوعياً تُعد من الإجراءات الأساسية، كون الكشف المبكر يسهّل المكافحة ويقلل التكلفة، وشدد على أنه في حال الإصابة الضعيفة يمكن الاكتفاء بالمكافحة الطبيعية الآمنة عبر الأعداء الحيوية مثل الدعسوقة وأسد المن وبعض الطفيليات التي تتغذى على الحشرة.
وأضاف أنه يتم اللجوء إلى المكافحة الكيميائية عند الضرورة وفي حال الإصابة الشديدة، باستخدام المبيدات الموصى بها من قبل الجهات الزراعية، ونوه إلى أن مستوى انتشار بسيلا الزيتون حالياً في ريف إدلب يُعد كبيراً مقارنة بالسنوات الماضية بسبب الظروف الجوية الاستثنائية.
وذكر أنه لم يسبق أن تسببت هذه الحشرة بتراجع في محصول الزيتون في المنطقة، مرجعاً ذلك إلى أن ارتفاع درجات الحرارة في السنوات السابقة كان كافياً للحد من الإصابة والتخلص منها.
وأكد أن الإصابة بهذه الحشرة في أغلب السنوات السابقة كانت غير اقتصادية ولا تستوجب المكافحة الكيميائية، إلا أنه في هذا الموسم، ونظراً لارتفاع الرطوبة وانخفاض درجات الحرارة، فإن التدخل بالمكافحة الكيميائية باستخدام المبيدات المتخصصة في الوقت المناسب، مع تجنب فترة الإزهار، بات ضرورة للحد من انتشارها.
وفي سياق متصل، يشير مختصون في القطاع الزراعي إلى أن التعامل مع آفات الزيتون الموسمية، ومن بينها حشرة البسيلا، يرتبط بشكل وثيق بمدى جاهزية البنية الإرشادية والرقابية في المنطقة أكثر من ارتباطه بطبيعة الإصابة نفسها، موضحين أن سرعة الاستجابة في إصدار التوصيات الفنية وتوحيد الرسائل الإرشادية للمزارعين تلعب دوراً محورياً في الحد من توسع انتشار الآفة.
ويضيفون أن ضعف الوصول إلى المعلومات الزراعية المحدثة لدى بعض المزارعين، خاصة في المناطق الريفية البعيدة، قد يؤدي إلى تأخر التدخل في الوقت المناسب، ما يجعل بعض الإصابات تتحول إلى بؤر أكثر انتشاراً، مشددين على أهمية تطوير منظومة متابعة ميدانية أكثر انتظاماً تعتمد على الرصد المبكر والتواصل المباشر مع المزارعين.
وبينما تتواصل الجهود الزراعية في متابعة انتشار حشرة البسيلا في بساتين الزيتون بريف إدلب، يظل التعامل مع هذه الآفة مرتبطاً بمدى الالتزام بالإجراءات الفنية والإرشادات الزراعية في الوقت المناسب، إضافة إلى أهمية المتابعة المستمرة للأشجار خلال مختلف مراحل الموسم، بما يساهم في الحد من انتشارها وتقليل تأثيرها على الإنتاج.