رانيا العباسي وعائلتها.. ملف اختفاء قسري تحوّل إلى أحد أبرز رموز المأساة السورية
رانيا العباسي وعائلتها.. ملف اختفاء قسري تحوّل إلى أحد أبرز رموز المأساة السورية
● محليات ١ يونيو ٢٠٢٦

رانيا العباسي وعائلتها.. ملف اختفاء قسري تحوّل إلى أحد أبرز رموز المأساة السورية

لم تكن الدكتورة رانيا العباسي مجرد اسم في سجل المفقودين السوريين، بل تحولت خلال أكثر من عقد من الزمن إلى رمز إنساني لواحدة من أكثر القضايا إيلامًا في ملف الاعتقال والاختفاء القسري في سوريا.

من هي رانيا العباسي؟

طبيبة أسنان، وبطلة سوريا والعرب في لعبة الشطرنج، وأم لستة أطفال، انتهت رحلتها وعائلتها بين جدران السجون والمعتقلات بعد أن اختفت آثارهم جميعًا في آذار/مارس 2013، قبل أن تتكشف مؤخرًا فصول مأساة هزت وجدان السوريين.

وُلدت رانيا العباسي في مدينة دمشق عام 1970، وعُرفت بتميزها العلمي والرياضي منذ سنوات مبكرة حققت إنجازات بارزة في لعبة الشطرنج، إذ توجت بطلة لسوريا والعرب، ومثلت البلاد في العديد من المنافسات الإقليمية والدولية، وأسهمت في نشر اللعبة وتطويرها داخل سوريا.

إلى جانب مسيرتها في بطولة الشطرنج، بنت العباسي سمعة مهنية لامعة كطبيبة أسنان، وعملت لأكثر من عشر سنوات في المملكة العربية السعودية، قبل أن تقرر عام 2008 العودة إلى دمشق لخدمة مجتمعها المحلي ومتابعة عملها الطبي بين أبناء مدينتها.

وبحسب شهادات مقربين منها، عرفت رانيا بحيويتها ونشاطها وعلاقاتها الإنسانية الواسعة، وكانت تحظى بمحبة مرضاها وزملائها، فيما أكدت شقيقتها نائلة العباسي أن رانيا لم تكن منخرطة في أي نشاط سياسي أو حزبي، وكانت تعتقد أن عائلتها بعيدة عن أي خطر.

بداية المأساة

في التاسع من آذار/مارس 2013، اقتحمت عناصر تابعة لأجهزة النظام البائد منزل العائلة في مساكن مشروع دمر بدمشق، واعتقلت زوجها عبد الرحمن ياسين، وفي اليوم التالي، بتاريخ 10 آذار 2013 عادت المجموعة ذاتها إلى المنزل وصادرت الأموال والمصاغ الذهبي والسيارات وأوراق الملكية الخاصة بالمنزل وعيادة رانيا.

لكن الضربة الأقسى جاءت في الحادي عشر من آذار/مارس، عندما عادت القوة الأمنية مجددًا واعتقلت رانيا العباسي وأطفالها الستة وصديقتها الممرضة مجدولين القاضي، لتنقطع أخبارهم بالكامل منذ تلك اللحظة.

وكان الأطفال الستة حينها في أعمار صغيرة جدًا ديمة (14 عامًا)، انتصار (13 عامًا)، نجاح (11 عامًا)، آلاء (8 أعوام)، أحمد (6 أعوام)، وليان التي كانت رضيعة لم تتجاوز عامين من عمرها.

اختفاء عائلة كاملة

وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان حادثة الاعتقال، لتصبح لاحقًا واحدة من أبرز قضايا الاختفاء القسري في سوريا وخلال السنوات التالية، لم تحصل العائلة على أي معلومات رسمية حول مصير رانيا أو أطفالها، فيما عاش أقاربهم حالة مستمرة من الانتظار والقلق.

وفي تصريحات سابقة لمنظمة العفو الدولية، وصفت شقيقتها نائلة حجم المعاناة النفسية التي عاشتها الأسرة، قائلة إنها لم تكن تستطيع النوم ليلًا بسبب الأسئلة التي كانت تطاردها باستمرار هل الأطفال بخير؟ هل يشعرون بالجوع؟ هل يبكون؟ وهل ما زالوا على قيد الحياة؟

وقالت نائلة في شهادة سابقة لمنظمة العفو الدولية إن رانيا كانت تملك مع أفراد عائلتها تأشيرات تتيح لهم مغادرة سوريا متى أرادوا، لكنها رفضت الرحيل مع بداية الثورة، لأنها كانت تعتقد أن عائلتها في مأمن، وأنها لم ترتكب ما يستدعي الخوف أو الملاحقة.

ظهور زوجها في "ملفات قيصر"

بعد سنوات من الغموض، تلقت العائلة صدمة جديدة عندما تأكدت من وفاة زوج رانيا، عبد الرحمن ياسين، بعد ظهور صورة جثمانه ضمن "ملفات قيصر" التي كشفت آلاف الصور لضحايا التعذيب داخل مراكز الاحتجاز التابعة للنظام البائد بين عامي 2011 و2013.

ومع ذلك، بقي مصير رانيا وأطفالها مجهولًا، لتتحول قضيتهم تدريجيًا إلى واحدة من أكثر القضايا الإنسانية حضورًا في ذاكرة السوريين.

رمز لملف المفقودين

على مدى أكثر من ثلاثة عشر عامًا، أصبحت قضية رانيا العباسي وعائلتها عنوانًا لمعاناة آلاف المعتقلين والمختفين قسرًا في سوريا.

وتبنت منظمات حقوقية دولية القضية، وفي مقدمتها منظمة العفو الدولية والشبكة السورية لحقوق الإنسان، فيما أطلقت وزارة الخارجية الأمريكية ضمن حملة "دونما وجه حق" Without Just Cause جهودًا لتسليط الضوء على قضية العباسي وعائلتها باعتبارها نموذجًا صارخًا للاعتقال التعسفي والاختفاء القسري.

وفي عام 2023، رشحت الشبكة السورية لحقوق الإنسان رانيا العباسي وعائلتها للحملة الأمريكية، وقدمت تفاصيل موثقة حول عملية اعتقالهم واختفائهم.

إعلان المصير بعد أكثر من عقد

وفي تطور صادم، أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا التوصل إلى نتائج وصفتها بـ"الموثوقة والمتقاطعة"، تتيح الاستنتاج بدرجة عالية من اليقين المهني بوفاة أطفال الدكتورة رانيا العباسي، بعد سنوات طويلة من الاختفاء القسري.

وأكدت الهيئة أن النتائج جاءت بعد عمليات تحقق وتحليل ومراجعة لمعلومات ومعطيات متعددة، بالتنسيق مع الجهات المختصة، قبل إبلاغ أفراد العائلة بالنتائج وفق بروتوكول إنساني ومهني.

وشددت الهيئة على أن الكشف عن المصير لا يعني إغلاق القضية، بل يمثل خطوة أولى نحو استكمال كشف جميع الوقائع وتحديد أماكن الرفات ومحاسبة المسؤولين.

أمجد يوسف في دائرة الاتهام

بالتوازي مع إعلان الهيئة الوطنية للمفقودين، كشفت وزارة الداخلية السورية أن التحقيقات الجارية أظهرت معلومات وأدلة تشير إلى مقتل أطفال رانيا العباسي على يد مجموعات وميليشيات تابعة للنظام السابق.

وأوضحت الوزارة أن التحقيقات الأولية أظهرت تورط المدعو أمجد يوسف، المعروف بارتباطه بمجزرة التضامن، في الجريمة، مؤكدة استمرار العمل على جمع الأدلة واستكمال التحقيقات وملاحقة جميع المتورطين المحتملين.

وفي أول تعليق للعائلة، قال حسان العباسي، شقيق رانيا، إن أفراد الأسرة اطلعوا على تسجيلات مصورة مرتبطة بالقضية، وتمكنوا بالتعاون مع جهة دولية مختصة من التعرف على الأطفال داخل تلك المقاطع، مؤكدًا أن العائلة وصلت إلى قناعة مؤلمة بشأن مصيرهم.

جرح سوري مفتوح

لم تعد قضية رانيا العباسي مجرد قضية عائلة اختفت خلف أبواب السجون، بل أصبحت مرآة لمعاناة آلاف الأسر السورية التي لا تزال تنتظر معرفة مصير أبنائها المفقودين.

فبين طبيبة ناجحة عادت إلى وطنها لخدمة مجتمعها، وأم كانت ترعى ستة أطفال، وبطلة رفعت اسم سوريا في المحافل الرياضية، انتهت الحكاية بمأساة إنسانية استمرت أكثر من عقد كامل.

ومع إعلان وفاة أفراد العائلة، يبقى السؤال الأكبر الذي يلاحق السوريين حتى اليوم كم من القصص المشابهة لا تزال مجهولة المصير، وكم من العائلات ما زالت تنتظر كشف المصير والحقيقة التي تأخرت سنوات طويلة، مع مطالب متزايدة بتحقيق العدالة ومحاسبة المتورطين بجرائم قتل وانتهاكات بحق الشعب السوري.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ