التنمر على اللهجات في المدارس.. سخرية من طريقة الكلام قد تدفع الطالب إلى الصمت والعزلة
يحمل الطلاب إلى مدارسهم لهجات سورية متعددة تعكس تنوع المناطق والبيئات التي قدموا منها، وتظهر هذه الاختلافات في نطق الكلمات والمفردات المستخدمة وطريقة الحديث، إلا أن هذا التنوع قد يتحول لدى بعض الطلاب إلى مادة للسخرية والتقليد، لتبدأ المشكلة بتعليق عابر قبل أن تتطور، مع التكرار، إلى تنمر يؤثر في ثقة الطالب بنفسه وعلاقته بزملائه ومشاركته داخل الصف.
وتزداد حساسية التنمر المرتبط باللهجة لأن طريقة الحديث ترتبط بالبيئة والأسرة والهوية الاجتماعية للطفل، وقد تجعله السخرية المتكررة أكثر حذراً في الكلام أو تدفعه إلى تجنب المشاركة أمام زملائه، ما يضع الأسرة والمدرسة أمام مسؤولية التعامل المبكر مع السلوك وتعزيز احترام الاختلاف بين الطلاب.
أحكام مسبقة تنتقل إلى الأطفال
قال الباحث الاجتماعي محمد الحسن، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التنمر على اللهجات يرتبط بجملة من العوامل الاجتماعية، من أبرزها التربية الأسرية القائمة على الانغلاق وضعف تقبل الآخر، إضافة إلى الأحكام المسبقة التي تحملها بعض البيئات الاجتماعية تجاه سكان حي أو مدينة أو محافظة أخرى.
وأوضح الحسن أن جانباً من هذه الأحكام لا يقوم على تجارب مباشرة يعيشها الطلاب أنفسهم، وإنما ينتقل إليهم من الموروث الاجتماعي والصور النمطية والنكات والشائعات المتداولة بين المناطق، لتظهر آثارها لاحقاً في طريقة تعامل بعض الأطفال مع زملائهم المختلفين عنهم.
وأضاف أن التنمر بين الطلاب قد يتجاوز اللهجة إلى اللباس وعادات الطعام والسلوكيات المرتبطة ببيئة كل طفل، إلا أن طريقة الحديث تبقى من أكثر الاختلافات وضوحاً وسهولة في التقليد، ما يجعلها عرضة للتعليقات والسخرية داخل المدرسة.
وأشار إلى أن معالجة هذه الظاهرة تبدأ بتغيير النظرة إلى الاختلاف نفسه، وتعليم الطلاب أن تعدد اللهجات والعادات يمثل جزءاً من التنوع الاجتماعي السوري، وأن اختلاف طريقة الحديث بين شخص وآخر لا يمنح مبرراً للسخرية منه أو التقليل من شأنه.
النزوح جمع اللهجات السورية
واستذكر الحسن تجربة النزوح والتهجير إلى إدلب بوصفها مثالاً على التغير الذي يمكن أن يحدث عندما تتعايش مجتمعات قادمة من مناطق مختلفة، مشيراً إلى أن المحافظة تحولت خلال سنوات النزوح إلى مساحة جمعت سوريين من بيئات متعددة بعاداتهم وتقاليدهم ولهجاتهم.
وبيّن أن الاحتكاك اليومي ساهم في تعريف السوريين ببعضهم بصورة أوسع، وساعد على تجاوز جزء من الأحكام المسبقة التي كانت قائمة على تصورات موروثة أكثر من اعتمادها على معرفة مباشرة بالآخر، كما أتاح تبادل العادات والخبرات والتعرف إلى الخصوصيات الاجتماعية لمختلف المناطق.
وأكد الحسن أن المدرسة تتحمل جانباً أساسياً من مسؤولية مواجهة التنمر، من خلال تدريب الكوادر التعليمية على التعامل مع الاختلافات بين الطلاب، وتنمية قدرتهم على رصد السخرية قبل تحولها إلى تنمر متكرر، إضافة إلى نقل هذه الثقافة إلى أولياء الأمور والاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي في حملات التوعية الموجهة إلى الأسر والمجتمع.
من السخرية إلى الخوف من الكلام
وقالت الأخصائية الاجتماعية الأسرية والدعم النفسي الاجتماعي صفاء الصالح، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن التنمر على لهجة الطالب يمكن أن يؤثر في ثلاثة جوانب رئيسية لديه، تبدأ بثقته بنفسه عندما يشعر بأن صوته وطريقة كلامه غير مقبولين، ما قد يدفعه إلى التردد أو الصمت.
وأضافت أن التأثير قد يمتد إلى شعور الطالب بالهوية والانتماء، باعتبار أن اللهجة مرتبطة بجذوره وبيئته، وبالتالي يمكن للسخرية منها أن تولد لديه إحساساً بعدم القبول داخل المدرسة، كما قد تتأثر قدرته على التواصل الاجتماعي عندما يصبح خائفاً من التحدث أمام الآخرين أو المشاركة في النقاشات الصفية.
وأوضحت الصالح أن استمرار السخرية قد يقود إلى القلق الاجتماعي والخوف من الحديث أمام المجموعة، وتشويه صورة الطالب عن نفسه وشعوره بأن طريقة كلامه خاطئة، إضافة إلى الميل نحو العزلة لتجنب الإحراج، وقد ينعكس ذلك على تحصيله الدراسي عندما يبدأ بالابتعاد عن المواقف التي تتطلب المشاركة.
وأشارت إلى أن استمرار التنمر لفترات طويلة قد يترافق مع أعراض نفسية أكثر وضوحاً، بينها الحساسية المفرطة للنقد أو مؤشرات اكتئابية، ما يجعل مراقبة التغيرات التي تطرأ على سلوك الطفل أمراً مهماً بالنسبة إلى الأسرة والمدرسة.
متى يحتاج الطالب إلى تدخل؟
وأوضحت الصالح أن مساعدة الطالب تبدأ بتعليمه أن السخرية التي يتعرض لها لا تعني وجود مشكلة في لهجته، وتعزيز نظرته الإيجابية إلى ذاته وهويته، بالتوازي مع تدريبه على الرد الهادئ ووضع حدود واضحة أمام من يحاول السخرية منه.
ونبهت إلى ضرورة تدخل الأسرة والمدرسة بصورة أكثر مباشرة عندما تظهر على الطالب علامات مثل الخوف الشديد من الكلام، أو البكاء المتكرر، أو رفض الذهاب إلى المدرسة، أو حدوث تغير واضح في سلوكه أو علاماته الدراسية، إذ قد تشير هذه التحولات إلى أن التنمر تجاوز حدود الموقف العابر وأصبح مؤثراً في حياته اليومية.
وأكدت أهمية أن تعتمد المدرسة سياسة واضحة تجاه التنمر اللغوي، وأن يظهر المعلم نفسه نموذجاً لاحترام مختلف طرق النطق، مع إدخال تنوع اللهجات ضمن الأنشطة الصفية وتشجيع الطلاب على الحديث عن مناطقهم وبيئاتهم وقصصهم، بما يساعد على تحويل الاختلاف إلى فرصة للتعارف بدلاً من أن يصبح سبباً للسخرية.
ويساعد الاستماع إلى الطالب المتأثر بالتنمر وعدم التقليل من مشاعره على معرفة حجم المشكلة التي يواجهها، مع طمأنته إلى أن طريقة حديثه لا تقلل من قيمته أو قدراته، فيما تصبح الاستعانة بمختص نفسي خطوة مناسبة عندما تستمر الآثار النفسية أو تبدأ بالتأثير بصورة واضحة في دراسته وعلاقاته الاجتماعية.
ويبقى الحد من التنمر على اللهجات مرتبطاً بقدرة المدرسة والأسرة على اكتشاف السلوك مبكراً وعدم التعامل معه بوصفه مزاحاً عادياً عندما يتكرر ويؤذي الطالب، فاحترام اختلاف اللهجات داخل الصف يساعد على بناء بيئة يشعر فيها الأطفال بالأمان في الحديث والمشاركة، ويحفظ لكل طالب حقه في التعبير بصوته ولهجته دون خوف من السخرية أو الإقصاء.