التقسيط يوسع خيارات الأسر السورية أمام الغلاء.. أقساط متراكمة قد تستنزف الدخل وتضاعف مخاطر التعثر
التقسيط يوسع خيارات الأسر السورية أمام الغلاء.. أقساط متراكمة قد تستنزف الدخل وتضاعف مخاطر التعثر
● مجتمع ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦

التقسيط يوسع خيارات الأسر السورية أمام الغلاء.. أقساط متراكمة قد تستنزف الدخل وتضاعف مخاطر التعثر

دفع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية عدداً من الأسر السورية إلى الاعتماد على التقسيط لتأمين احتياجات يصعب دفع ثمنها دفعة واحدة، واتسعت قائمة المشتريات من الأجهزة الكهربائية والأثاث والهواتف إلى منظومات الطاقة الشمسية والبطاريات، فيما وصلت في بعض الحالات إلى نفقات الدراسة والطبابة والمواد الغذائية.

ويمنح التقسيط الأسرة فرصة توزيع تكلفة السلعة على عدة أشهر، إلا أن المشكلة تبدأ عندما تتعدد الأقساط ويصبح جزء من الدخل محجوزاً مسبقاً لسدادها، ما يقلص الأموال المتاحة للغذاء والسكن والصحة والتعليم، ويجعل أي ظرف مفاجئ قادراً على إرباك ميزانية الأسرة ودفعها نحو استدانة جديدة.

لماذا توسع السوريون في التقسيط؟

قال الباحث الاقتصادي حامد سيف الدين، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التقسيط أصبح وسيلة أساسية لدى أسر سورية لتأمين احتياجات لم تعد قادرة على شرائها نقداً، وفي مقدمتها الأجهزة الكهربائية والأثاث والهواتف وألواح الطاقة الشمسية والبطاريات، إضافة في بعض الحالات إلى المواد الغذائية والدراسة والطبابة.

وأوضح أن توسع الظاهرة يرتبط بتراجع القوة الشرائية للرواتب أمام الأسعار، وضعف خيارات القروض الاستهلاكية النظامية، ما أفسح المجال أمام التجار والمحلات لتقديم بدائل قائمة على البيع بالأقساط.

وأضاف أن الحاجة إلى حلول بديلة للكهرباء دفعت بدورها إلى شراء تجهيزات مرتفعة التكلفة بالتقسيط، فيما تشجع مخاوف ارتفاع الأسعار مستقبلاً بعض المستهلكين على تثبيت عملية الشراء حالياً وسداد قيمتها لاحقاً.

متى يصبح القسط مشكلة؟

وبيّن سيف الدين أن التقسيط يكون أكثر قابلية للإدارة عندما يرتبط بحاجة أساسية أو سلعة منتجة، مثل أداة للعمل أو جهاز يساهم في تخفيض نفقات أخرى، شريطة أن يتناسب القسط مع الدخل، وأن تكون مدة السداد محدودة والزيادة بين السعر النقدي والإجمالي المدفوع بالأقساط واضحة ومعقولة.

وحذر من تحول التقسيط إلى عبء عندما يستخدم لشراء الكماليات أو بدافع المجاراة الاجتماعية، أو عندما تبدأ الأسرة التزاماً جديداً قبل الانتهاء من السابق، إضافة إلى الحالات التي يكون فيها الفارق بين السعر النقدي وسعر التقسيط مرتفعاً أو غير واضح للمشتري منذ البداية.

وأشار إلى مخاطر إضافية عندما يكون العقد مرتبطاً بالدولار بينما تحصل الأسرة على دخلها بالليرة السورية، إذ تصبح قدرتها على السداد معرضة لتغيرات سعر الصرف، خصوصاً بالنسبة للعاملين بأجر يومي أو الأسر التي تعتمد على حوالات ودخول غير منتظمة.

الراتب محجوز قبل وصوله

ولفت سيف الدين إلى أن تراكم الالتزامات يؤدي إلى تآكل الدخل المتاح للأسرة، إذ تصبح مبالغ من الراتب مخصصة للأقساط قبل استخدامها في الاحتياجات اليومية، وقد تضطر الأسرة عندها إلى تقليص الإنفاق على الغذاء أو الصحة أو التعليم.

وحذر من الدخول في دائرة الاستدانة لسداد الديون، كأن يقترض رب الأسرة من قريب أو تاجر لتسديد قسط مستحق، ثم يحتاج إلى دين جديد للوفاء بالالتزام السابق، وهي حلقة تصبح أكثر صعوبة عندما لا تمتلك الأسرة مدخرات تستخدمها في الظروف الطارئة.

وأضاف أن المرض المفاجئ أو فقدان العمل أو انخفاض الدخل قد يقود سريعاً إلى التعثر، فيما يمكن للكمبيالات والشيكات والكفالات المرتبطة ببعض عمليات البيع أن تترتب عليها تبعات قانونية واجتماعية تتجاوز العلاقة بين المشتري والبائع.

كيف تحدد الأسرة قدرتها على السداد؟

وأوضح سيف الدين أن الخطوة الأولى تبدأ بحساب صافي الدخل الشهري الحقيقي، داعياً أصحاب الدخل المتذبذب إلى الاعتماد على دخل أضعف شهر خلال السنة عند إجراء الحساب، بدلاً من بناء الالتزامات على متوسط قد لا يتكرر بصورة منتظمة.

وأشار إلى ضرورة خصم المصروفات الأساسية أولاً، بما يشمل الغذاء والإيجار والكهرباء والاشتراكات والنقل والتعليم والدواء، ثم النظر إلى المبلغ المتبقي قبل اتخاذ قرار الدخول في التزام جديد.

واقترح، كقاعدة مالية عملية وليست معياراً قانونياً ملزماً، ألا يتجاوز مجموع الأقساط نحو 20 بالمئة من صافي الدخل الشهري، وألا يصل إلى 30 بالمئة في أي حال، معتبراً أن النسبة الأقل أكثر ملاءمة للأسر محدودة الدخل بسبب استحواذ الاحتياجات الأساسية على الجزء الأكبر من مواردها.

قبل توقيع عقد التقسيط

ونصح سيف الدين بمعرفة السعر النقدي للسلعة قبل الاتفاق، ثم حساب مجموع المبالغ التي ستدفع حتى نهاية فترة التقسيط ومقارنة الرقمين، إلى جانب التأكد من العملة المعتمدة في العقد وشروط التأخير وما قد يترتب على التعثر.

وشدد على قراءة العقد والاحتفاظ بنسخة منه، وتجنب توقيع شيكات على بياض أو الدخول في كفالات شخصية دون معرفة تبعاتها، مع مقارنة عروض التقسيط لدى أكثر من جهة والاستفسار عن إمكانية الحصول على تخفيض مقابل دفعة أولى أكبر أو السداد المبكر.

ودعا الأسر التي تستخدم التقسيط بصورة متكررة إلى محاولة الاكتفاء بالتزام واحد في كل مرة وعدم فتح قسط جديد قبل إغلاق السابق، إلى جانب الاحتفاظ بمبلغ شهري، ولو كان محدوداً، لتغطية الحالات الطارئة.

وأشار إلى أن التعثر يستدعي التواصل المبكر مع الجهة الدائنة ومحاولة التفاوض بشأن إعادة الجدولة، بدلاً من ترك الأقساط تتراكم دون معالجة، معتبراً أن زيادة الالتزامات ينبغي أن ترتبط بوجود قدرة فعلية على السداد وليس بتوقع تحسن الدخل مستقبلاً.

وأكد سيف الدين أن أثر التقسيط يتحدد بطبيعة الحاجة وحجم القسط ومدة الالتزام وقدرة الأسرة المالية، فيما تكشف الظروف المعيشية أن سهولة الحصول على السلعة اليوم قد تخفي وراءها التزامات تمتد لأشهر، لذلك يبقى حساب الكلفة الإجمالية وترك هامش للطوارئ من أهم الخطوات قبل تحويل احتياج آني إلى دين طويل الأمد.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ