محاكمة أحمد بدر الدين حسون تحت الرصد.. تقرير حقوقي يفحص ضمانات العدالة ويحدد نقاطاً تحتاج إلى التدقيق
محاكمة أحمد بدر الدين حسون تحت الرصد.. تقرير حقوقي يفحص ضمانات العدالة ويحدد نقاطاً تحتاج إلى التدقيق
● محليات ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦

محاكمة أحمد بدر الدين حسون تحت الرصد.. تقرير حقوقي يفحص ضمانات العدالة ويحدد نقاطاً تحتاج إلى التدقيق

رصدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مجريات الجلستين الأولى والثانية من محاكمة المفتي العام السابق أحمد بدر الدين حسون أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، وقدمت تقييماً مرحلياً لمدى احترام ضمانات المحاكمة العادلة خلال جلستي 25 حزيران/يونيو و16 تموز/يوليو 2026، مسجلةً ضمانات قالت إنها تحققت، مقابل مسائل إجرائية رأت أن المعلومات المتاحة لا تكفي حتى الآن للحكم عليها بصورة نهائية.

وأكدت الشبكة أن تقريرها يتناول إجراءات المحاكمة حصراً، ولا يقدم حكماً بشأن المسؤولية الجنائية لحسون، أو صحة الوقائع والاتهامات المنسوبة إليه، أو القيمة النهائية للأدلة المقدمة أمام المحكمة، وهي مسائل يعود الفصل فيها إلى القضاء بعد استكمال المحاكمة وفحص الأدلة.

اتهامات متعددة وموقف ينفيها

عرضت المحكمة، وفق التقرير، ملخص قرار الاتهام، فيما قدمت النيابة العامة نظريتها بشأن القضية، والتي تضمنت مزاعم بالتحريض على ارتكاب جرائم، والتدخل في أعمال قتل، وإثارة الاقتتال والنعرات الطائفية، وإساءة استعمال النفوذ، إلى جانب تكييفات مستمدة من القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، بينها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وشددت الشبكة على أنها تورد هذه التكييفات باعتبارها جزءاً من موقف الادعاء، دون تبنيها أو اعتبارها توصيفات قانونية ثابتة بحق المتهم، في ظل استمرار المحاكمة وعدم صدور حكم نهائي بشأن الوقائع محل الدعوى.

وخصصت المحكمة الجلسة الأولى لافتتاح المحاكمة وتلاوة ملخص قرار الاتهام وعرض النيابة العامة لنظريتها، قبل استجواب حسون وعرض مواد صوتية ومرئية، فيما أنكر المتهم الاتهامات، وقال إن علاقاته بمسؤولي نظام الأسد البائد كانت مرتبطة بطبيعة منصبه الرسمي، وإنه استخدم بعض هذه العلاقات، وفق دفاعه، للتوسط للإفراج عن معتقلين ومساعدة مدنيين.

واعترض حسون على بعض التسجيلات المعروضة، معتبراً أنها قدمت على هيئة مقتطفات منفصلة عن سياقها، وطالب بعرض التسجيلات كاملة، كما ذكر خلال المحاكمة أنه تولى منصب المفتي العام بين عامي 2000 و2021.

شهود للادعاء والدفاع

انتقلت المحكمة في الجلسة الثانية إلى سماع الشهود، واستمعت إلى شاهدين قدمتهما النيابة العامة، مع حجب هوية أحدهما خلال الجلسة العلنية، ثم استمعت إلى خمسة شهود قدمهم الدفاع.

وسجل التقرير أن أقوال شهود الادعاء تضمنت مزيجاً من وقائع قال أصحابها إنهم عاينوها مباشرة، ومعلومات نقلت إليهم عن أشخاص آخرين، إلى جانب استنتاجات شخصية بشأن دور حسون وعلاقاته.

وقال الشاهد الذي حجبت هويته، وفق ما أورده التقرير، إنه شاهد تسليم مبالغ مالية إلى قائد تشكيل مسلح موالٍ لنظام الأسد البائد، وزعم أن بعض المبالغ تراوحت قيمتها بين 15 و30 ألف دولار أمريكي، وأن حسون أو أحد أبنائه تولى تسليمها، وهي أقوال تبقى جزءاً من شهادة معروضة أمام القضاء وليست وقائع محسومة بحكم قضائي.

وقدم شهود الدفاع، في المقابل، روايات عن وقائع قالوا إن حسون تدخل خلالها للإفراج عن أشخاص محتجزين أو ساعدهم وأسرهم خلال سنوات الحرب في سوريا، في إطار محاولة الدفاع تقديم رواية مقابلة بشأن طبيعة علاقات المتهم وتحركاته خلال تلك المرحلة.

ضمانات تحققت وأسئلة بقيت مفتوحة

سجلت الشبكة عدداً من المؤشرات الإجرائية الإيجابية، من بينها مثول حسون برفقة محاميه، وإبلاغه علناً بمضمون الاتهامات الرئيسة، وإتاحة المجال أمامه للرد عليها والتعليق على المواد المقدمة، إضافة إلى تمكين الدفاع من استدعاء شهوده.

ورأت في المقابل أن مسألة التسجيلات الصوتية والمرئية تحتاج إلى مزيد من التدقيق، ولا سيما بعد اعتراض المتهم على عرض أجزاء منها، إذ يرتبط الأمر بمدى حصول الدفاع على الوقت والتسهيلات الكافية لفحص المواد بصيغتها الكاملة وإعداد رده عليها.

وأثارت الشبكة كذلك مسألة حجب هوية أحد شهود الادعاء، معتبرة أن تقييم سلامة هذا الإجراء يتطلب معرفة نطاق الحماية التي منحت للشاهد، وأسبابها والضمانات المقابلة التي حصل عليها الدفاع لاختبار أقواله ومصداقيته، مؤكدة أن حماية هوية الشاهد لا تمثل بحد ذاتها انتهاكاً، كما لا يمكن اعتبارها متوافقة بالكامل مع حقوق الدفاع دون معرفة تفاصيل التدبير والضمانات المصاحبة له.

ملاحظة حول لغة المحكمة

وسجل التقرير ملاحظة تتعلق باللغة المستخدمة خلال مناقشة شهادة أحد شهود الدفاع، بعدما وصف رئيس المحكمة عصام زهر الدين بأنه "مجرم"، ورأت الشبكة أن استخدام توصيف قطعي من هذا النوع يستحق الانتباه من زاوية مظهر الحياد، نظراً إلى أن علاقة حسون بالشخص المذكور تدخل ضمن الوقائع التي يستند إليها الادعاء.

وأكدت الشبكة في الوقت نفسه أنها لا تعتبر العبارة، بمفردها، دليلاً يثبت وجود تحيز لدى المحكمة، وإنما أوردتها باعتبارها ملاحظة ينبغي أخذها في الاعتبار عند تقييم ضمانات المحاكمة ومظهر الحياد القضائي.

ولفت التقرير أيضاً إلى أن التغطية الإعلامية التي استطاع فريق الشبكة رصدها خلال الجلسة الأولى اقتصرت على وسائل الإعلام الرسمية والجهات الإعلامية التابعة لوزارة العدل، دون أن يخلص التقرير إلى وجود قرار يمنع وسائل الإعلام المستقلة من حضور الجلسات.

القانون الدولي أمام المحكمة

استندت الشبكة في تقييمها إلى المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضمت إليه سوريا عام 1969، وما تتضمنه من ضمانات تشمل قرينة البراءة، ومعرفة طبيعة الاتهام وأسبابه، والحصول على الوقت والتسهيلات اللازمة لإعداد الدفاع، والاستعانة بمحام، ومناقشة شهود الاتهام واستدعاء شهود الدفاع.

وتوقف التقرير كذلك عند مبدأ الشرعية الوارد في المادة 15 من العهد، معتبراً أن استناد قرار الاتهام إلى مفاهيم من القانون الجنائي الدولي يفتح مسألة قانونية تحتاج إلى بيان الأساس الذي اعتمدته المحكمة، خصوصاً مع الإشارة إلى المادتين 7 و25 من نظام روما الأساسي المتعلقتين بالجرائم ضد الإنسانية والمسؤولية الجنائية الفردية.

وأشار التقرير إلى أن سوريا وقعت على نظام روما الأساسي لكنها ليست دولة طرفاً فيه، كما تناول الفرق بين عدم رجعية القوانين والتقادم والعفو، لافتاً إلى أن المادة 49/2 من الإعلان الدستوري لعام 2025 تتصل بعدم الرجعية، وهي مسألة تختلف قانونياً عن التقادم أو العفو.

وأوضح التقرير، في سياق القانون الدولي الإنساني، أن الإشارة العامة إلى اتفاقيات جنيف لا تكفي وحدها لتحديد القاعدة القانونية المطبقة، وأن المادة الثالثة المشتركة والقانون الدولي الإنساني العرفي يشكلان جزءاً أساسياً من الإطار الناظم للنزاعات المسلحة غير الدولية، مع التأكيد على أن مخالفة قاعدة من قواعد القانون الدولي الإنساني لا تتحول تلقائياً إلى جريمة حرب ما لم تتوافر الأركان الجنائية المطلوبة.

مطالب بضمان حياد الإجراءات

دعت الشبكة محكمة الجنايات الرابعة والجهات القضائية المختصة إلى الاستمرار في احترام قرينة البراءة، واستخدام لغة قضائية محايدة عند الحديث عن المتهم والأشخاص المرتبطين بالقضية، وتمكين الدفاع من فحص الأدلة والمواد التي تستند إليها الاتهامات، بما يشمل النسخ الكاملة من التسجيلات الصوتية والمرئية ذات الصلة.

وطالبت بأن تقترن إجراءات حماية الشهود بقرارات معللة توضح ضرورتها ونطاقها ومدتها والضمانات المقابلة الممنوحة للدفاع، كما دعت إلى تحديد الأساس القانوني بدقة عند استخدام توصيفات مستمدة من القانون الجنائي الدولي، والفصل بوضوح بين مفاهيم عدم الرجعية والتقادم والعفو.

ودعت الشبكة النيابة العامة إلى بناء مرافعاتها على الوقائع والأدلة والأركان القانونية للجرائم، وإظهار الصلة بين كل تسجيل أو مادة معروضة والعنصر القانوني المراد إثباته، مع بقاء عبء إثبات الاتهامات على جهة الادعاء وعدم نقله إلى المتهم لإثبات براءته.

وطالبت وزارة العدل والجهات المعنية بتنظيم القضاء بوضع إطار واضح لحماية الشهود والتعامل مع الأدلة الرقمية والصوتية والمرئية، وتنظيم حضور وسائل الإعلام والمراقبين المستقلين للجلسات العلنية ذات الاهتمام العام وفق معايير موضوعية وغير تمييزية، فيما دعت وسائل الإعلام إلى الفصل بين الاتهام والإدانة واحترام قرينة البراءة، وتجنب كشف هوية أي شاهد يخضع لإجراءات الحماية.

ويضع التقرير المحاكمة أمام متابعة حقوقية تركز على سلامة الإجراءات بقدر تركيزها على الاتهامات نفسها، فيما يبقى تقييم المسؤولية الجنائية لأحمد بدر الدين حسون مرتبطاً بما ستنتهي إليه المحكمة بعد استكمال سماع الأطراف وفحص الأدلة وصدور حكم قضائي نهائي.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ