سورية على مفترق طرق: مراجعة ضرورية أم هروب إلى الأمام؟
سورية على مفترق طرق: مراجعة ضرورية أم هروب إلى الأمام؟
● سياسة ٤ مارس ٢٠٢٦

سورية على مفترق طرق: مراجعة ضرورية أم هروب إلى الأمام؟

في مقال مطوّل للمفكر السوري برهان غليون، طُرحت تساؤلات جوهرية حول مسار المرحلة الانتقالية في سورية، بين منجزات سياسية وواقعية تحققت بعد إسقاط النظام السابق، وبين مؤشرات أزمة ثقة آخذة في الاتساع، سواء داخل الشارع أو في أوساط النخب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

أزمة ثقة تتسع

يرى الكاتب في المقال الذي نشره موقع "العربي الجديد" أن السلطة الجديدة، رغم نجاحها في كسر العزلة الدولية وتثبيت أركان الحكم، تواجه تصاعداً في الانتقادات بسبب استمرار تركّز القرار بيد رئيس الجمهورية، وهيمنة بنية حكم أقرب إلى الفردية منها إلى المؤسسية. 


ويشير إلى أن مؤسسات الدولة تبدو، في نظر شريحة واسعة، مهمَّشة لحساب شبكات نفوذ ولجان مركزية تعمل خارج الأطر الإدارية التقليدية، ما يعزز الانطباع بوجود "دولة ظل" تتحكم بالقرار.

كما يلفت إلى أن آليات التعيين في المناصب العامة، وغياب الشفافية والمنافسة، أسهمت في تنامي شعور عام بظهور طبقة جديدة تحتكر السلطة والنفوذ، في وقت يعاني فيه المواطنون من ضغوط معيشية متزايدة.

العدالة الانتقالية والتسويات المثيرة للجدل

يتوقف المقال عند ملف العدالة الانتقالية، معتبراً أن بطء إنجازه وتغييب نتائج التحقيقات في الانتهاكات السابقة يثيران قلقاً شعبياً. كما أن بعض "التسويات" مع شخصيات من النظام السابق تُغذّي مخاوف من عودة الفساد بصيغ جديدة، ما ينعكس سلباً على ثقة الشارع بمسار الإصلاح.

الرهان الاقتصادي… بين الطموح والواقع

يرى الكاتب أن جوهر مشروع السلطة الجديدة يتمثل في وعد بالازدهار الاقتصادي، قائم على تبني سياسات انفتاح اقتصادي وجذب استثمارات خارجية ضخمة، بهدف تحويل سورية إلى مركز إقليمي صاعد.

غير أن هذا الرهان، بحسب المقال، اصطدم بواقع أكثر تعقيداً؛ فالاستثمارات لم تتدفق بالسرعة المتوقعة، فيما أدت سياسات تحرير الأسعار وتقليص دور الدولة في ظل اقتصاد منهك إلى ضغوط معيشية كبيرة، وزيادة المخاوف من ارتهان القرار الاقتصادي لعوامل خارجية.

ويحذر الكاتب من أن التركيز على الاستثمارات الأجنبية وحدها قد يحوّلها إلى ما يشبه "حصان طروادة"، إذا ارتبطت بتنازلات استراتيجية وسيادية، أو إذا جرى إهمال تنمية الموارد البشرية والاقتصاد الوطني.

الحاجة إلى مشروع اجتماعي واضح

يؤكد المقال أن ما يحدد مصير الاستقرار السياسي ليس فقط تثبيت السلطة أو تحقيق انفتاح دولي، بل القدرة على تقديم حلول ملموسة للفقر والبطالة والخدمات الأساسية. ويشير إلى غياب مشروع اجتماعي متكامل يوضح شكل الدولة المنشودة، وطبيعة العقد الاجتماعي الجديد بين السلطة والمجتمع.

مراجعة أم تصعيد؟

في خاتمته، يدعو الكاتب إلى مراجعة جدية للخيارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تشمل تعزيز حكم القانون وبناء دولة مؤسسات، وتوسيع المشاركة السياسية والحوار الوطني، وإحياء العدالة الانتقالية بصورة شفافة، وإعادة الاعتبار لدور الإنسان السوري بوصفه محور التنمية.

ويحذر من أن غياب المراجعة قد يفتح الباب أمام تضييق الحريات أو تصاعد تيارات أكثر تشدداً، ما قد يقود إلى أزمة جديدة تعصف بالمنجزات التي تحققت.

يخلص المقال إلى أن سورية تقف اليوم عند مفترق حاسم: إما التوجه نحو إصلاح مؤسسي شامل يعيد الثقة ويؤسس لاستقرار مستدام، أو الاكتفاء بالرهان على وعود اقتصادية قد لا تتحقق بالسرعة المطلوبة. وفي هذا السياق، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة السلطة على تحويل مشروعها من وعود استثمارية إلى رؤية وطنية جامعة، قوامها الإنسان السوري أولاً وأخيراً.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ