مراجعة الاستملاك في سوريا.. بين حماية الملكية ومتطلبات المنفعة العامة
مراجعة الاستملاك في سوريا.. بين حماية الملكية ومتطلبات المنفعة العامة
● آراء ومقالات ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦

مراجعة الاستملاك في سوريا.. بين حماية الملكية ومتطلبات المنفعة العامة

سلطت الحقوقية وعضو مجلس الشعب السوري نور الدين عربو الضوء على ملف الاستملاك في سوريا، وما يطرحه من قضايا قانونية تتعلق بالتوازن بين متطلبات المنفعة العامة وحماية الملكية الخاصة وتسوية حقوق أصحاب العقارات.

وأوضحت عربو، في مقال نشرته صحيفة «الثورة السورية» تحت عنوان «مراجعة الاستملاك في سوريا بين المنفعة العامة وإنصاف الملكية»، أن الإشكالية لا ترتبط بمبدأ الاستملاك بحد ذاته، وإنما بإرث طويل من قرارات الاستملاك التي بقيت آثار بعضها قائمة لعقود، في وقت تغيرت فيه قيم العقارات والغايات العمرانية وظهرت حقوق ومشروعات جديدة فوق أراض لم تُحسم أوضاعها بصورة نهائية.

إرث يحتاج إلى مراجعة

ورأت عربو أن أهمية الملف تزداد خلال المرحلة الانتقالية، في ظل وجود قرارات وملفات عقارية موروثة من مراحل سابقة، معتبرة أن التعامل معها لا ينبغي أن يقوم على الإلغاء الجماعي أو استمرار آثارها بصورة آلية دون مراجعة.

وبينت أن تغير السلطة لا يجعل القرار الإداري السابق باطلاً بصورة تلقائية، لكن استمرار آثاره يستوجب التحقق من الأساس الذي صدر بموجبه، والغاية التي استهدفها، ومدى تحققها، إضافة إلى معرفة ما إذا كانت حقوق أصحاب الملكيات قد تمت تسويتها بصورة نهائية.

وأشارت إلى أن الاستملاك في سوريا لم يقتصر على مشاريع البنية التحتية، وإنما امتد إلى التخطيط العمراني والإسكان وإقامة التجمعات السكنية، ما يجعل تحديد مفهوم المنفعة العامة أساسياً في مراجعة هذه الملفات.

واعتبرت أن وجود مشروع تنفذه جهة عامة لا يكفي وحده لإثبات المنفعة العامة، وإنما ينبغي أن تكون هناك غاية عامة واضحة، مع تحقيق التناسب بين نزع الملكية والهدف المقصود وضمان حقوق المالكين.


جرد ملفات الاستملاك

ولفتت عربو إلى بدء محافظة ريف دمشق بجرد ملفات الاستملاك وتصنيفها، بما يشمل تحديد المشاريع التي نُفذت وتلك التي لم تُنفذ، معتبرة أن هذه الخطوة تنقل التعامل مع الملف من النظر إلى الاستملاك بوصفه واقعة حدثت في الماضي إلى مراجعة آثاره القانونية والعملية القائمة حالياً.

ويتيح هذا المسار، وفق الطرح الذي قدمته، التمييز بين الملفات التي استقرت فيها الحقوق بصورة نهائية، وتلك التي لا تزال تتضمن حقوقاً أو التزامات معلقة وتتطلب المعالجة.


التعويض.. إحدى أبرز العقد

وحددت عربو التعويض باعتباره إحدى أبرز القضايا المرتبطة بملف الاستملاك، في ظل وجود عقارات جرى تقدير قيمتها قبل عقود، بينما تغيرت قيمتها الاقتصادية بصورة كبيرة خلال السنوات اللاحقة.

وأوضحت أن هذا التفاوت لا يعني بالضرورة إعادة تقييم جميع التعويضات القديمة وفق أسعار السوق الحالية، وإنما يتطلب الفصل بين مدى صحة تقدير التعويض وفق القواعد القانونية التي كانت نافذة وقت الاستملاك، وبين الحالات التي بقيت فيها حقوق معلقة نتيجة عدم دفع التعويض أو عدم تنفيذ بدل عيني أو عدم استكمال التسوية القانونية.

ويمتد الأمر إلى البدل العيني في بعض مشاريع المؤسسة العامة للإسكان، إذ رأت أن التسوية لا ينبغي أن تقتصر على التعويض النقدي عندما يكون لصاحب الملكية حق آخر نشأ بموجب القوانين والقرارات المنظمة للمشروع، مع ضرورة اعتماد قواعد موحدة تحول دون تفاوت المعاملة بين أصحاب الحقوق.


الاستثمار بعد حسم وضع العقار

وتطرقت عربو إلى الحالات التي تنتقل فيها الأراضي المستملكة إلى مشاريع عمرانية أو استثمارية جديدة، في وقت تتجه فيه الدولة إلى إعادة الإعمار وتوفير السكن وتحريك النشاط الاقتصادي واستثمار الأصول العامة.

وأكدت أن الاستثمار في هذه الحالات ينبغي أن يسبقه حسم الوضع القانوني للعقار، بما يحمي حقوق المالكين من جهة ويوفر الاستقرار القانوني للمستثمر من جهة أخرى.

وبحسب رؤيتها، فإن المستثمر المتعاقد مع جهة عامة لا يتحمل بالضرورة مسؤولية نزاع تاريخي لم يكن طرفاً فيه، وفي المقابل لا ينبغي أن تؤدي الشراكة الاستثمارية إلى إغلاق باب المراجعة أمام صاحب حق لم تتم تسوية وضعه.

واعتبرت أن سلامة الملكية واستقرارها تمثلان في هذا السياق ضمانة للاستثمار نفسه، وليس عائقاً أمام تنفيذ المشاريع الجديدة.


ملف عقاري أوسع من الاستملاك

ورأت عربو أن معالجة الإشكاليات العقارية السورية لا يمكن أن تتم من خلال قانون الاستملاك وحده، نظراً إلى تشعب الملف ليشمل التنظيم والمصادرة والحجز والاستيلاء والعقارات غير المسجلة وتضرر السجلات وفقدان الوثائق وآثار النزوح والتهجير ومنازعات الإرث.

ودعت في هذا السياق إلى إطار وطني متكامل يعمل على حصر هذه الملفات وتصنيفها وربط الجهات المعنية بها، مع الحفاظ على اختصاص القضاء في الفصل بالمنازعات التي تدخل ضمن ولايته.


مراجعة أوسع للتشريعات

وأكدت عربو أن مراجعة قانون الاستملاك ينبغي أن تكون جزءاً من مراجعة أشمل للتشريعات العمرانية، بحيث تقوم المعالجة على تحقيق توازن بين المنفعة العامة وحق الملكية.

وشددت على أهمية منح الأولوية للحلول الرضائية متى كانت ممكنة، وضمان التعويض العادل وحق الاعتراض والطعن القضائي، إلى جانب وضع قواعد واضحة لمعالجة الاستملاكات التي لم تُنفذ والحقوق التي ظلت معلقة لفترات طويلة.

وخلصت إلى أن معالجة ملف الاستملاك لا تقوم على إسقاط جميع القرارات السابقة أو الإبقاء عليها دون تغيير، وإنما على مراجعة كل حالة وتحديد الحقوق التي استقرت وتلك التي بقيت معلقة، وإنهاء آثار الاستملاك عندما تنتفي غايته وفقاً للقانون، وتسوية الحقوق المالية والعينية قبل إنشاء حقوق استثمارية جديدة.

ويضع هذا الطرح ملف الملكية في صلب عملية إعادة البناء، من خلال إيجاد منظومة قانونية تحقق التوازن بين حماية حقوق الأفراد ومتطلبات المنفعة العامة والاستثمار، وتعزز الثقة بأن أي مساس بالملكية يخضع للقانون والرقابة والإنصاف.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ