عن حب الحماصنة لحمص!
عن حب الحماصنة لحمص!
● آراء ومقالات ١٠ مايو ٢٠٢٦

عن حب الحماصنة لحمص..!!

من الطبيعي في تجربة الإنسان أن يتشكل جزء عميق من هويته في المكان الأول الذي يفتح فيه عينيه على الحياة فمسقط الرأس ليس مجرد نقطة على الخريطة، بل هو طبقة من الذاكرة الأولى التي تتداخل فيها الروائح والأصوات والوجوه، لتصبح لاحقاً معياراً داخلياً يقاس عليه معنى الأمان والانتماء.

ولهذا لا يغادر الإنسان مكان ولادته بسهولة حتى لو غادره جسداً، لأن المكان يبقى عالقاً في طبقات الوعي الأولى، كأنه جزء من تعريفه لنفسه لا مجرد فضاء عاش فيه وفي التجربة الإنسانية عبر التاريخ، يظهر هذا الارتباط بوضوح في لحظات الفقد القسري، حين يتحول الخروج من المكان إلى شكل من أشكال الانفصال عن الذات.

وفي التاريخ الإسلامي تتجلى هذه الحقيقة بشكل عميق في حادثة الهجرة النبوية، حين أُجبر المسلمون الأوائل على مغادرة مكة، المدينة التي لم تكن بالنسبة لهم مجرد موطن، وقد روي عن النبي ﷺ أنه خاطب مكة بكلمات تحمل ذروة التعلق الإنساني بالمكان: "والله إنك لأحب أرض الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت".

في هذا القول تتجلى مفارقة مؤلمة بين الحب والانفصال، بين الانتماء والإجبار، بين المكان كهوية والمكان كقدر سياسي واجتماعي، كثيرا ما يؤثر فيني تغنى الشعراء بالأوطان بوصفها مهد الصبا، ومستقر الذكريات، ومبعث العزة.

من هنا يمكن فهم عمق التعلق الإنساني بالمدن والأمكنة، فهو ليس ترفاً عاطفياً، بل بنية داخلية تتكون عبر الزمن، وتظهر بوضوح حين ينتزع الإنسان من جذوره، وعند هذه النقطة تحديداً، يصبح المكان أكثر من جغرافيا، بل يصبح جزءاً من السرد الشخصي للإنسان، لا يمحى حتى لو تبدلت الأمكنة وتغيرت الحياة.

لم تكن مدينتي حمص بالنسبة لأبنائها مجرد مدينة تسكن، بل كانت حالة انتماء كاملة تتجاوز حدود الجغرافيا، لتتحول إلى علاقة تشبه القدر الشخصي الذي لا يفك ولا يستبدل، ولهذا لم يكن غريباً أن يبدو مشهد التهجير القسري وكأنه حدث ناقص المعنى، لأن المدينة وإن غابت عن الجغرافيا اليومية، فإنها لم تغب يوماً عن وجدان أهلها.

ينسب إلى أهالي حمص تعلق استثنائي بمدينتهم، تعلق لم تنل منه نيران الحرب، ولا قسوة الحصار، ولا حتى موجات النزوح التي فرقتهم عن أحيائهم بل على العكس، كلما اشتد الفقد ازداد الحضور الرمزي للمدينة في تفاصيل حياتهم، وكأن الغياب نفسه أعاد تشكيل الحضور بشكل أعمق وأكثر رسوخاً.

في لحظات الخروج والتهجير الثقيلة من حمص، لم تكن الحكاية مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت اقتلاعاً من ذاكرة عمرها سنوات طويلة. ومع ذلك لم يخرج الحماصنة فارغي الأيدي من مدينتهم، بل حملوا ما استطاعوا من رموزها الصغيرة، صورة لساعة حمص، أو ذكرى لزقاق قديم، أو ملامح بيت لم يعد موجوداً إلا في الذاكرة، وفي أماكن النزوح أعاد بعضهم تشكيل المدينة على طريقتهم، مجسمات لساعة حمص الشهيرة، لوحات ترتبط بمسجد خالد بن الوليد، أو تفاصيل بسيطة تحاول أن تستعيد ما لا يمكن استعادته بالكامل.

ولعل الأكثر دلالة لم يكن ما حمل في الحقائب، بل ما استقر في القلوب حفنة تراب من حي قديم، وردة جففت من حديقة منزل، أو حتى رائحة مكان لم يعد له وجود مادي، لكنها بقيت أكثر حضوراً من الخراب نفسه.

هكذا تحولت حمص إلى ذاكرة متنقلة تحمل من مكان إلى آخر دون أن تفقد معناها، وكأنها ترفض أن تختصر في لحظة تهجير أو تحاصر داخل حدود الجغرافيا الجديدة.

في مسارات النزوح، لم يكن اسم المدينة مجرد تعريف جغرافي، بل كان يسبق أصحابها في كل مكان يصلون إليه، وكأنه ظل لا ينفصل عنهم ومع كل محطة كانت حمص تستعاد بشكل مختلف، في الحديث، في الحنين، في المقارنات اليومية، وحتى في الصمت الذي يشي بما هو أعمق من الكلام.

ومع حلول الذكرى الثانية عشرة لتهجير عدد من أحياء المدينة، جاء ما عرف بـ"مسير الوفاء" ليعيد ترتيب الذاكرة الجمعية بطريقة رمزية، لا بوصفه فعالية عابرة، بل كحالة استعادة جماعية لمدينة لم تنكسر رغم كل ما مر بها كان المشهد أقرب إلى محاولة لإعادة وصل ما انقطع، ليس في المكان، بل في الشعور بالانتماء ذاته.

الذكرى هنا ليست تاريخاً يستدعى بقدر ما هي جرح ما يزال مفتوحاً، وحنين لا يتوقف عن إنتاج نفسه فهي لحظة يتقاطع فيها الماضي مع الحاضر، وتلتقي فيها صورة المدينة كما كانت، مع صورتها كما استقرت في الذاكرة بعد التحول والفقد.

وربما ما يميز الحماصنة ليس فقط حجم ما خسروا، بل الطريقة التي تعاملوا بها مع هذا الفقد فقد احتفظوا بالمدينة داخلهم، لا كحنين مجرد، بل كجزء من الهوية اليومية، في اللجهة وفي الذكريات وفي تفاصيل الحياة الصغيرة.

يطول المقال في هذا كما أنني أعجز عن وصف شعوري تجاه حمص الأم الجريحة الصابرة المحتسبة التي استعادها ذويها وينهضون بها تعبيرا عن برهم لها، لكن ما يمكنني تلخصه بأن حمص بالنسبة لأهلها ليست مكاناً تم مغادرته والعودة له، بل حكاية مستمرة لم تغلق صفحاتها بعد، ومدينة تعيش فيهم مهما ابتعدت المسافات وتبدلت الأماكن وتعددت المنافي.

الكاتب: محمد العلي
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ