ارتفاع أسعار المحروقات يفجّر احتقاناً متراكماً في سوريا.. بين ضيق المعيشة ومبررات الحكومة ومخاطر استثمار الغضب
ارتفاع أسعار المحروقات يفجّر احتقاناً متراكماً في سوريا.. بين ضيق المعيشة ومبررات الحكومة ومخاطر استثمار الغضب
● آراء ومقالات ١٤ سبتمبر ٢٠٢٦

ارتفاع أسعار المحروقات يفجّر احتقاناً متراكماً في سوريا.. بين ضيق المعيشة ومبررات الحكومة ومخاطر استثمار الغضب

أعاد رفع أسعار المشتقات النفطية في سوريا حالة الاحتقان الشعبي إلى الواجهة، بعد خروج احتجاجات في مناطق من أرياف دير الزور والرقة وحلب وإدلب، في مشهد لا يمكن قراءته من زاوية سعر المازوت والبنزين وحدهما، إذ يأتي القرار في بلد خرج من حرب طويلة باقتصاد منهك، ودخل محدود، وخدمات لا تزال دون تطلعات السوريين، بينما تقدم الحكومة في المقابل مجموعة من الأسباب الاقتصادية والفنية التي تقول إنها فرضت تعديل الأسعار لضمان استمرار تأمين المحروقات.

ويكشف الرفض الواسع للقرار عن فجوة متزايدة بين الحسابات الاقتصادية التي تنطلق منها المؤسسات الحكومية، وبين قدرة المواطن على تحمل نتائجها، فالحكومة تنظر إلى كلفة الاستيراد والتكرير والشحن وتأمين القطع الأجنبي واستمرار التوريد، بينما ينظر السوري إلى دخله وقدرته على دفع أجرة المواصلات وتأمين التدفئة وشراء السلع التي ستتأثر تكلفتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة بارتفاع الوقود.

للمحروقات حساباتها.. وللمواطن حساب آخر

تملك وزارة الطاقة مبررات اقتصادية وفنية لا يمكن تجاهلها عند قراءة القرار، فبحسب الأرقام التي أعلنتها، تنتج سوريا حالياً نحو 100 ألف برميل من النفط يومياً، مقابل حاجة تتراوح بين 300 و325 ألف برميل، كما تعتمد على الاستيراد لتأمين نحو 74 بالمئة من المازوت و81 بالمئة من البنزين و96 بالمئة من الغاز المنزلي.

وتواجه منظومة التكرير بدورها تحديات إضافية، إذ تعمل مصفاة حمص بطاقة محدودة، فيما دخلت مصفاة بانياس في عمرة فنية اضطرارية، ما يرفع مؤقتاً الحاجة إلى استيراد المنتجات النفطية الجاهزة، بالتزامن مع ارتفاع كلفة المشتقات والشحن والإمداد في الأسواق العالمية.

وتقول الحكومة إن إبقاء سعر البيع بعيداً عن كلفة التوريد سيستنزف الأموال اللازمة لشراء الشحنات اللاحقة، وإن الأسعار الجديدة مؤقتة وقابلة للمراجعة انخفاضاً وارتفاعاً، كما تراهن على إعادة تأهيل الحقول والآبار ورفع الإنتاج واستعادة قدرات التكرير لتقليل الاعتماد على الخارج.

لكن وجود أسباب اقتصادية للقرار لا يلغي السؤال الاجتماعي الأهم، وهو مقدار ما يستطيع المواطن تحمله، فالمازوت يدخل في النقل والإنتاج والزراعة والصناعة والخدمات، ولذلك يخشى السوريون أن تتحول الزيادة إلى موجة أوسع من ارتفاع الأسعار في سوق تعاني أصلاً من ضعف القوة الشرائية.

الاحتجاج على السعر يحمل تراكمات أوسع

تكشف الاحتجاجات الأخيرة عن حالة تتجاوز النشرة الجديدة للمحروقات، فالغضب الذي ظهر في الشارع يحمل معه تراكمات تشكلت خلال قرابة عامين بعد التحرير، في ظل توقعات مرتفعة بتحسن سريع في الخدمات والوضع المعيشي وأداء المؤسسات، اصطدمت لاحقاً بحجم المشكلات التي ورثتها البلاد وصعوبة معالجتها خلال فترة قصيرة.

وحذر ناشطون خلال الفترة الماضية من اتساع حالة الاحتقان، منتقدين ملفات تتعلق بالخدمات وبعض القوانين والقرارات الحكومية، وآليات اختيار المسؤولين ومدى امتلاك بعضهم الكفاءة والخبرة اللازمة لإدارة مؤسسات حساسة في مرحلة انتقالية معقدة.

وأثارت قضايا أخرى جدلاً واسعاً بين السوريين، من بينها اتهامات بإعادة تدوير شخصيات مرتبطة بمؤسسات نظام الأسد البائد أو منح بعضها مساحات جديدة في المشهد العام، إلى جانب انتقادات لمظاهر البذخ والسيارات الفارهة والمواكب الرسمية، في وقت يطلب فيه من المواطن تحمل مزيد من الأعباء الاقتصادية.

وتسببت بعض التصريحات الرسمية المتفائلة بدورها في رفع سقف التوقعات، خصوصاً عندما تحدثت عن تحسن قريب في قطاعات أساسية أو استعادة موارد وإمكانات اقتصادية، قبل أن يكتشف المواطن أن إعادة تشغيل الحقول والمصافي والبنية التحتية تحتاج إلى وقت وتمويل وخبرات واستثمارات كبيرة.

إدارة الأزمة قبل وقوعها

يطرح المشهد الحالي سؤالاً حول قدرة المؤسسات على استباق الأزمات وإدارة آثار القرارات قبل صدورها، إذ كان من الممكن توقع أن تؤدي زيادة كبيرة في أسعار مادة أساسية كالمازوت إلى ردود فعل اجتماعية، وبالتالي كان القرار يحتاج إلى حملة واضحة تسبقه، تشرح بالأرقام حجم الاستهلاك والإنتاج والاستيراد، وكلفة المواد، ومدة الظروف الاستثنائية، والبدائل التي درستها الحكومة قبل اللجوء إلى رفع الأسعار.

وتحتاج إدارة الأزمات الاقتصادية أيضاً إلى إجراءات تحد من انتقال الزيادة إلى بقية الأسواق، لأن إعلان سعر جديد للمحروقات يمثل بداية سلسلة من التغيرات المحتملة في تكاليف النقل والإنتاج والخدمات، وهو ما يتطلب رقابة واستجابة سريعة وخططاً لحماية الشرائح الأكثر تضرراً.

ويصبح الخطاب الرسمي جزءاً أساسياً من إدارة الأزمة، فالمواطن الذي يعرف مسبقاً حجم المشكلة والخيارات المتاحة والمدة المتوقعة لمعالجتها سيكون أكثر قدرة على فهم القرار، بينما يؤدي غياب المعلومات أو تقديم وعود تتجاوز الإمكانات الفعلية إلى رفع التوقعات، ثم زيادة الإحباط عندما يأتي الواقع مختلفاً.

الاحتجاج حق.. واستثماره خطر

يعكس خروج السوريين للاحتجاج على قرار اقتصادي ضاغط حاجة حقيقية إلى إيصال صوتهم، ويضع أمام الحكومة مسؤولية الاستماع إلى المطالب والتعامل معها بوصفها مؤشراً على مستوى الضغط الاجتماعي، مع حماية الحق في التعبير السلمي ومنع تحول الخلاف حول السياسات العامة إلى مواجهة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

وفي المقابل، تحتاج المرحلة إلى وعي بالمخاطر الأمنية والسياسية المحيطة بسوريا، إذ لا تزال فلول نظام الأسد البائد وأطراف أخرى معارضة لمسار الدولة الجديد تحاول استثمار الأزمات والانقسامات والاحتقان الشعبي لخدمة أهدافها، لكن وجود محاولات للاستغلال لا يجعل المطالب المعيشية المشروعة جزءاً منها، ولا يصح استخدام تلك المخاطر لنزع الشرعية عن كل احتجاج أو انتقاد.

ويفرض هذا الواقع مسؤوليتين متوازيتين، تتمثل الأولى في وعي شعبي يحافظ على سلمية الاحتجاج ويمنع اختراقه أو تحويل المطالب المعيشية إلى فوضى، فيما تقع الثانية على الحكومة التي تحتاج إلى الاستماع إلى الشارع ومعالجة أسباب الاحتقان قبل أن تتراكم، وإبعاد غير الأكفاء عن مواقع المسؤولية، ومراجعة القرارات المثيرة للجدل، وضبط المظاهر التي تستفز مجتمعاً يواجه ضائقة اقتصادية قاسية.

الثقة جزء من الحل الاقتصادي

تحتاج سوريا في مرحلة التعافي إلى قرارات صعبة، وقد تفرض ظروف السوق والاستيراد والطاقة إجراءات لا تحظى بقبول شعبي، لكن نجاح هذه القرارات يرتبط بدرجة كبيرة بوجود الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، وهذه الثقة تتشكل من الشفافية والكفاءة والمحاسبة والقدرة على الاعتراف بالمشكلة قبل مطالبة الناس بتحمل تكلفتها.

ويملك السوريون أسباباً حقيقية للقلق من ارتفاع أسعار المحروقات وتداعياته على حياتهم، كما تملك الحكومة أسباباً اقتصادية وفنية قدمتها لتفسير القرار، وبين الطرفين مساحة تحتاج إلى خطاب أكثر وضوحاً وسياسات أكثر حساسية للواقع الاجتماعي.

وتكشف الاحتجاجات الأخيرة إنذاراً يستحق التعامل معه بجدية، فالمشكلة التي ظهرت على شكل اعتراض على أسعار الوقود تحمل خلفها ملفات أوسع من المازوت والبنزين، ومعالجتها تبدأ من فهم أسباب الاحتقان المتراكم والاستجابة لها، بالتوازي مع حماية البلاد من أي طرف يسعى إلى استغلال الضيق المعيشي ودفع السوريين نحو صدام جديد، في مرحلة تحتاج فيها الدولة والمجتمع إلى أعلى درجات الوعي والمسؤولية.

الكاتب: أحمد نور الرسلان
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ