أزمة السيولة في المصارف، متى تُحلّ..؟
تُلقي قيود السحب المصرفي بظلالها الثقيلة على الأفراد، وتطال الشركات بدرجة أقل، لتنتقل آثارها في النهاية إلى زعزعة سعر الصرف واستقرار النشاط الاقتصادي.
يُقيد هذا الإجراء الوصول إلى الأموال، فيحدّ من الإنفاق اليومي ويضعف الطلب في السوق؛ ما يضطر الأفراد -على المدى الطويل- إلى تجنّب المصارف والاحتفاظ بالنقد خارجها.
وتسعى المصارف إلى فَرْض هذه القيود لعدم توفُّر سيولة كافية لتلبية جميع طلبات السحب في آنٍ واحد. لكنّ هذا الحل قصير المدى يحمل نتيجةً عكسيةً؛ إذ يؤدي إلى تراجع الثقة بالنظام المصرفي؛ ما يدفع الأفراد إلى الإسراع في السحب فور توافر أيّ سيولة، وبالتالي يزداد الضغط على المصارف بدل أن ينخفض.
ونتيجةً لتبنّي البنوك سياسات ائتمانية أكثر حذرًا في منح القروض، تواجه الشركات شحًّا في التمويل؛ الأمر الذي يؤدي إلى تراجع النشاط الاستثماري، وتباطؤ تنفيذ المشروعات؛ ما يحدّ في النهاية من معدلات النمو الاقتصادي.
أمّا العملة، فيخلق تقييد السحوبات تحسنًا ظاهريًّا في سعرها عبر خفض السيولة، لكنه تحسُّن هشّ لا يعكس قوةً اقتصاديةً. رفع القيود يُحرّر الطلب المكبوت ويظهر الطلب الحقيقي دفعةً واحدةً؛ ما يُعيد الضغط على العملة ويهوي بقيمتها.
الجهات النقدية، وعلى رأسها البنك المركزي، تتعامل مع هذا الوضع عبر توفير جزء من السيولة عند الحاجة ومحاولة الحفاظ على الثقة بالنظام المصرفي؛ لأن استقراره لا يعتمد فقط على توفُّر الأموال، بل على قناعة الناس بإمكانية الوصول إليها.
تتوقَّف حدَّة الأزمة في نهاية المطاف على مسبِّباتها؛ فنقص السيولة المؤقت يَسْهل احتواؤه، بينما تتطلَّب الاختلالات الهيكلية العميقة داخل المصارف وقتًا طويلًا وإصلاحات جذرية للنظام المالي.