رويترز تكشف كيف تمكن الشرع من حسم معركته مع قسد
أفاد تقرير موسّع أعدته وكالة رويترز أن الحكومة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع نجحت، خلال أسابيع قليلة، في انتزاع السيطرة على مناطق واسعة كانت خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، مستندة إلى مسار معقّد من الاجتماعات السياسية والأمنية التي جرت في دمشق وباريس والعراق، وبموافقة أميركية ضمنية غيّرت موقع واشنطن من داعم رئيسي لقسد إلى شريك مباشر للدولة السورية.
وأكدت تسعة مصادر مطلعة على الاجتماعات المغلقة، تحدثت لرويترز شريطة عدم الكشف عن هويتها، أن الولايات المتحدة لم تعرقل العملية العسكرية التي قلبت توازنات القوة في سوريا، رغم أن هذه الخطوة جاءت على حساب حليف سابق لواشنطن كان يشكل رأس الحربة في قتال تنظيم داعش.
اجتماعات مغلقة فتحت الطريق للهجوم
قالت رويترز إن سلسلة لقاءات عالية المستوى مطلع كانون الثاني شكّلت نقطة التحول، إذ مهّدت الطريق أمام الرئيس الشرع لتحقيق هدفين متلازمين، يتمثل الأول في تنفيذ تعهده بفرض سلطة الدولة السورية على كامل الجغرافيا، بينما تمثل الثاني في انتزاع موقع الشريك السوري المفضل للإدارة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب، بحسب ما نقلته الوكالة عن مصادرها.
وأوضحت الوكالة أن هذه التحركات أنهت فعلياً المشروع الذي سعت إليه القيادات الكردية للحفاظ على كيان شبه مستقل في شمال شرق البلاد، كما وضعت حدوداً جديدة للدعم الأميركي للشرع.
من التحالف مع الأكراد إلى الشراكة مع دمشق
ذكّرت رويترز بأن الولايات المتحدة كانت الداعم الرئيسي لقوات سوريا الديمقراطية منذ عام 2015، حين شُكّلت القوة لطرد تنظيم داعش من مناطق شمال شرق سوريا، ثم تحولت تلك المناطق لاحقاً إلى إدارة ذاتية بُنيت على مؤسسات مدنية وعسكرية منفصلة عن دمشق.
لكن المشهد تبدّل في أواخر عام 2024 مع سقوط بشار الأسد، حين تعهدت القيادة الجديدة في دمشق بإنهاء جميع الكيانات الخارجة عن سلطة الدولة، بما فيها مناطق سيطرة «قسد». وبعد أشهر من مفاوضات متعثرة خلال عام 2025، انقضت المهلة المحددة لدمج «قسد» دون نتائج، لتبدأ بعدها ملامح الخيار العسكري بالظهور.
باريس… الضوء الأخضر غير المعلن
نقلت رويترز عن ثلاثة مسؤولين أكراد أن اجتماعاً عقد في دمشق في الرابع من كانون الثاني بين الحكومة السورية و«قسد» حول الاندماج انتهى بشكل مفاجئ بعد أن أوقفه وزير سوري، لتنتقل في اليوم التالي وفود سورية إلى باريس للمشاركة في محادثات بوساطة أميركية مع إسرائيل حول اتفاق أمني.
وخلال تلك الاجتماعات، بحسب مصدرين سوريين، اتهمت دمشق إسرائيل بدعم «قسد»، وطالبتها بالكف عن تشجيع الأكراد على المماطلة في الاندماج، فيما اقترح مسؤولون سوريون تنفيذ عملية محدودة لاستعادة أجزاء من الأراضي الخاضعة لسيطرة «قسد»، دون أن يواجهوا اعتراضاً، وفق ما أفاد به مصدر سوري آخر.
ورغم نفي السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل لايتر أي موافقة على هجوم ضد الأكراد، إلا أن وزارة الخارجية الأميركية أحالت أسئلة رويترز إلى بيان للمبعوث الأميركي توم باراك دعا فيه «قسد» إلى الاندماج، مؤكداً أن واشنطن لا تسعى إلى وجود عسكري طويل الأمد في سوريا.
بدء الهجوم وتراجع الدعم الأميركي
أوضحت رويترز أن العملية العسكرية انطلقت بعد نحو أسبوعين، ومعها بدأت واشنطن بإبلاغ قيادة «قسد» بتراجع دعمها التقليدي، إذ قال دبلوماسي أميركي ومصدران سوريان مطلعان إن الولايات المتحدة أبلغت الأكراد بأن مصالحها باتت تتقاطع مع حكومة الشرع.
وفي 17 كانون الثاني، التقى باراك قائد «قسد» مظلوم عبدي في إقليم كردستان العراق، وأبلغه أن أولوية واشنطن هي الشراكة مع دمشق، بحسب ثلاثة مصادر، رغم نفي مسؤول في «قسد» لهذه الرواية. وأضافت رويترز أن واشنطن قدمت في المقابل تطمينات محدودة للأكراد تتعلق بحماية المدنيين وأمن سجون تنظيم الدولة الإسلامية.
لحظة توتر قبل وقف النار
بحسب التقرير، كادت الحملة أن تتجاوز الخطوط المرسومة لها مع استمرار تقدم القوات السورية إلى ما بعد المناطق المتفق عليها، ووصولها في 19 كانون الثاني إلى تطويق آخر المدن الكردية، رغم إعلان وقف إطلاق نار قبل ذلك بيوم.
وأفادت ثلاثة مصادر أميركية بأن تجاهل الهدنة أثار غضب الإدارة الأميركية، التي خشيت من اندلاع أعمال عنف واسعة ضد المدنيين الأكراد، ودفعت بعض المشرعين إلى التلويح بإعادة فرض عقوبات على دمشق. ونقلت رويترز عن مسؤول في البيت الأبيض أن واشنطن تراقب التطورات «بقلق بالغ» وتحث جميع الأطراف على حماية المدنيين.
وقف نار أعاد طمأنة واشنطن
قالت رويترز إن الرئيس الشرع أعلن بشكل مفاجئ وقفاً جديداً لإطلاق النار، مؤكداً أن قواته لن تواصل التقدم إذا قدمت «قسد» خطة اندماج قبل نهاية الأسبوع، وهو ما اعتبرته مصادر أميركية خطوة أعادت طمأنة واشنطن ووضعت الشرع «في المنطقة الآمنة».
وبعد دقائق، أصدر المبعوث الأميركي بيانه الذي أكد فيه أن الدور القتالي لـ«قسد» ضد تنظيم داعش «انتهى إلى حد كبير»، وأن أفضل فرصة للأكراد باتت ضمن إطار الدولة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع.