حزب العمال الكردستاني (PKK): الجذور التاريخية ومسار النزاع المسلح
حزب العمال الكردستاني (PKK): الجذور التاريخية ومسار النزاع المسلح
● أخبار سورية ٢٥ يناير ٢٠٢٦

حزب العمال الكردستاني (PKK): الجذور التاريخية ومسار النزاع المسلح

تأسس حزب العمال الكردستاني (PKK) عام 1978 بقيادة عبد الله أوجلان، كتنظيم قومي كردي يساري يتبنى الأيديولوجيا الماركسية-اللينينية، ومنذ انطلاقه العلني في أواخر سبعينيات القرن الماضي، رفع الحزب شعار إقامة كيان كردي مستقل في جنوب شرق تركيا.


ودخل الحزب في مواجهة مسلحة مباشرة مع الدولة التركية عام 1984، عبر سلسلة من العمليات التي استهدفت قوات الأمن والبنى التحتية الحكومية، تطوّر الصراع سريعاً ليشمل مناطق في العراق وسوريا وإيران، إلى جانب تأثيره في الجاليات الكردية في أوروبا.

وعلى مدار أكثر من أربعة عقود، خلّفت المواجهات بين الحزب والدولة التركية أكثر من 40 ألف قتيل، من المدنيين والعسكريين، وبينهم أطفال ونساء من مختلف القوميات: الأكراد، الأتراك، العرب، الفُرس، إضافة إلى عدد من السياح الأجانب (Karadag, 2022). 


ونتيجة لسجله الحافل بالهجمات الدامية والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، صنّفت عدة دول الحزب كمنظمة إرهابية، بما فيها تركيا، والولايات المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبي، وأستراليا (Arslan, 2017).

اعتمد الحزب منذ بداياته على الكفاح المسلح كوسيلة لتحقيق أهدافه القومية، فبدأ عملياته العسكرية في أغسطس/آب 1984، مستهدفاً مواقع الدولة التركية، ما أدى إلى انفجار صراع واسع النطاق جنوب شرق البلاد. 

ومع دخول التسعينيات، تبنّى الحزب خطاباً أقل تشدداً، مطالباً بحكم ذاتي للأكراد بدلاً من الاستقلال، لكنه لم يتخلَّ عن العنف، بل صعّد من عملياته، وارتكب انتهاكات واسعة ضد القرى الكردية التي رفضت دعمه أو اتُّهمت بالتعاون مع الحكومة، ما أدى إلى موجات تهجير ضخمة وأزمة إنسانية عميقة (Human Rights Watch, n.d.).

وفي أواخر التسعينيات، قُدّرت حصيلة القتلى بما بين 30 و40 ألفاً، وفقاً لتقرير صادر عن الحكومة الأسترالية، حيث شكّلت الهجمات التي نفذها الحزب العامل الأساسي في هذا العدد المرتفع من الضحايا (Australian Government, n.d.)، وبعد اعتقال عبد الله أوجلان عام 1999، أعلن الحزب وقفاً لإطلاق النار، لكنه لم يكن كافياً لإيقاف النزاع، واستمرت الاشتباكات المتقطعة في مختلف المناطق.

وفي مطلع الألفية، سعى الحزب لتحسين صورته أمام المجتمع الدولي، عبر تغيير اسمه عدة مرات (KADEK، Kongra-Gel)، لكن سرعان ما عاد إلى العنف، إذ أعلن في 2004 نهاية وقف إطلاق النار، واستأنف هجماته المسلحة.

من 2006 إلى 2013، شهدت تركيا تصعيداً عسكرياً من قبل الحزب، تخلله اتفاق هدنة في عام 2013، دام لنحو عامين ونصف، ثم انهار في يوليو/تموز 2015، لتتجدد أعمال العنف بوتيرة أشد.


وتشير التقارير إلى أن عدد القتلى بين 2015 و2023 بلغ حوالي 6,677 شخصاً، معظمهم من مقاتلي الحزب، إلى جانب عناصر من الجيش التركي ومئات المدنيين (UK Visas and Immigration, 2025).

وفي أعقاب الزلزال المدمر في تركيا عام 2023، أعلن الحزب هدنة جديدة، لكنه عاد وألغى وقف إطلاق النار في يونيو من نفس العام، ليواصل هجماته المسلحة (Karadag, 2022).

ويُعد النزاع بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية أحد أطول وأكثر الصراعات دموية في المنطقة، لما سببه من خسائر بشرية واقتصادية هائلة، وانتهاكات حقوقية جسيمة، وتهجير ممنهج للمدنيين. 


وقد تحوّل الحزب في نظر كثير من المراقبين إلى تنظيم عنيف، تجاوز مفهوم المقاومة المشروعة، ليتقاطع مع تصنيفات الإرهاب الدولي وجرائم الحرب، وسط رفض دولي متزايد لأساليبه، رغم التعاطف مع بعض المطالب الكردية العادلة (Spicer et al., 2022).

وفي تحول مفصلي بالصراع الكردي – التركي، أعلن حزب العمال الكردستاني (PKK) في 12 أيار/مايو 2025 حلّ نفسه رسميًا وإنهاء كافة أنشطته المسلحة، منهياً بذلك أكثر من أربعة عقود من النزاع العنيف مع الدولة التركية. 

هذا القرار جاء تتويجًا لمسار تصاعدي من النقاشات الداخلية، عقب نداء أطلقه زعيم الحزب عبد الله أوجلان، المعتقل منذ عام 1999، دعا فيه إلى "وضع حد لمرحلة الكفاح المسلح" والانتقال نحو العمل السياسي المدني.

وكان أوجلان قد وجه في 27 شباط/فبراير 2025 من داخل سجنه في جزيرة إمرالي نداءً وصف بالتاريخي، طالب فيه كوادر الحزب بحل التنظيم، معتبراً أن "دور الحزب التاريخي قد اكتمل"، وأنه آن الأوان لاستخدام وسائل سلمية وديمقراطية لتحقيق الحقوق الكردية، في إطار يحترم وحدة وسلامة الجمهورية التركية.

استجابت قيادة الحزب لهذا النداء بعقد المؤتمر الثاني عشر للتنظيم في منطقة جبال قنديل شمال العراق، خلال الفترة من 5 إلى 7 أيار/مايو 2025، بحضور ممثلين عن مختلف الأجنحة السياسية والعسكرية، وأصدر المؤتمر بياناً ختامياً أعلن فيه حل البنية التنظيمية للحزب، والتخلي عن العمل العسكري، وإنهاء وجوده كقوة مسلحة، وأكد البيان على نية أعضاء الحزب السابقين الانخراط في الحياة المدنية والسياسية بشكل سلمي، ضمن الأطر القانونية.

لاقى هذا الإعلان ترحيباً مشروطاً من أنقرة، التي طالبت بخطوات عملية تتضمن تسليم السلاح، وتفكيك الأجنحة المسلحة للحزب في العراق وسوريا، ووقف الارتباط بين حزب العمال الكردستاني وحلفائه الإقليميين، وعلى رأسهم وحدات حماية الشعب (YPG) في سوريا، كما دعت الحكومة التركية إلى ضمانات دولية تحول دون إعادة تشكّل التنظيم بصيغ جديدة.

من جانب آخر، اعتبرت قوى كردية وإقليمية هذا التطور فرصة تاريخية لإنهاء معاناة ملايين المدنيين، وبداية لمسار جديد من الانفتاح السياسي والاعتراف بالحقوق الثقافية والدستورية للأكراد داخل تركيا.

وبرغم الشكوك التي تحيط بمدى تنفيذ قرار الحل على الأرض، خصوصاً مع وجود عناصر الحزب في مناطق جبلية وعبر الحدود، فإن هذا الإعلان يمثل لحظة فارقة، قد تُمهّد لتغيرات عميقة في الملف الكردي التركي، وتفتح الباب لإعادة بناء الثقة وتهيئة بيئة حوار شامل تدعمه قوى إقليمية ودولية.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ