تصاعد المطالب بالعدالة الانتقالية.. والدولة تؤكد: المحاسبة مسؤولية المؤسسات لا الشارع
تصاعد المطالب بالعدالة الانتقالية.. والدولة تؤكد: المحاسبة مسؤولية المؤسسات لا الشارع
● محليات ١٥ يونيو ٢٠٢٦

تصاعد المطالب بالعدالة الانتقالية.. والدولة تؤكد: المحاسبة مسؤولية المؤسسات لا الشارع

تشهد معدد من المناطق السورية خلال الأيام الأخيرة حالة من الحراك الشعبي المتصاعد للمطالبة بمحاسبة المتورطين في الجرائم والانتهاكات المرتكبة خلال فترة حكم النظام البائد، وسط جدل واسع حول ملف العدالة الانتقالية وحدود التعامل مع الأشخاص المتهمين بالانخراط في أجهزة النظام الأمنية والعسكرية السابقة.

وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع دعوات شعبية للتظاهر تحت شعار "وجود الشبيحة في إدلب إهانة لدماء الشهداء"، حيث دعا ناشطون وأهالٍ إلى تنظيم مظاهرة في ساحة الساعة بإدلب وفي ريف حلب وحمص وحماة للمطالبة بطرد من "الشبيحة" ومحاسبتهم، معتبرين أن عودة بعض الأشخاص المرتبطين بالنظام البائد إلى المناطق التي شهدت التهجير والقتل تمثل استفزازاً لمشاعر الضحايا وذويهم.

وسبق ذلك تنظيم وقفات ومظاهرات بريف إدلب، و مدينة حلب، إضافة إلى استمرار الاحتجاجات والاعتصامات في دير الزور والرقة، حيث رفع المشاركون شعارات تطالب بمحاسبة المتورطين في الانتهاكات وعدم السماح بإفلاتهم من العقاب، مع الدعوة إلى تسريع إجراءات العدالة الانتقالية وتفعيل المسارات القانونية الخاصة بها.

وفي خضم هذه التطورات أصدرت وزارة الداخلية السورية بياناً أكدت فيه متابعتها باهتمام بالغ لما تشهده بعض مناطق محافظة إدلب من توترات مرتبطة بالمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت بحق السوريين خلال سنوات حكم النظام البائد.

وأكدت الوزارة تفهمها لمشاعر الغضب والألم لدى الأهالي، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن تحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات مسؤولية تتولاها الدولة عبر مؤسساتها المختصة، مؤكدة أنها لن تتهاون مع أي شخص يثبت تورطه في سفك الدماء أو ارتكاب الانتهاكات بحق السوريين.

كما دعت المواطنين إلى عدم الانجرار نحو أي أعمال انتقامية أو اعتداءات خارج إطار القانون، مطالبة كل من يمتلك معلومات أو أدلة موثقة عن متورطين بجرائم وانتهاكات بتقديمها عبر القنوات الرسمية المعتمدة، ومؤكدة أن جميع الملفات الموثقة ستتم متابعتها وفق الأصول القانونية بما يضمن محاسبة المسؤولين وإنصاف الضحايا بعيداً عن الفوضى أو الثأر الفردي.

وقد أثار البيان الرسمي تفاعلاً واسعاً بين الشخصيات السياسية والحقوقية والإعلامية والدينية، حيث برز شبه إجماع على رفض الثأر الفردي واستيفاء الحق بالذات، مقابل مطالبة واسعة بتسريع إجراءات العدالة الانتقالية وعدم ترك هذا الملف معلقاً لفترة أطول.

من جهتها، أكدت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، تعليقاً على الأحداث الأخيرة في سوريا، أن حق الضحايا وذويهم في المطالبة بالحقيقة والعدالة والمساءلة حق مشروع لا يمكن تجاوزه أو التقليل من أهميته بعد عقود من الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها سوريا.

وأوضحت الهيئة أن مسار العدالة الانتقالية يقوم على مبدأ عدم الإفلات من العقاب ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة ومرتكبي الانتهاكات وفق الأصول القانونية، بما يضمن إنصاف الضحايا وتحقيق العدالة وترسيخ مبدأ سيادة القانون.

وبيّنت أن العدالة الانتقالية تستند إلى المسؤولية الفردية ولا تقوم على مبدأ الانتقام والثأرية واستيفاء الحق بالذات خارج إطار القانون، مشددة على أن العقاب الجماعي يتعارض مع مبادئ العدالة وحقوق الإنسان ويقود إلى إنتاج مظالم جديدة بدلاً من معالجتها.

 وأشارت الهيئة إلى أن المساءلة وكشف الحقيقة وجبر الضرر تشكل جميعها ركائز أساسية لبناء سلام مستدام ومنع تكرار الانتهاكات مستقبلاً.

 واختتمت الهيئة بتأكيد مواصلة العمل في مسارات كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وحفظ الذاكرة الوطنية والإصلاح المؤسسي وبناء السلام، انطلاقاً من التزامها ببناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون واحترام كرامة جميع السوريين.

بدوره، أكد الحقوقي عارف الشعال أن الاحتجاجات الميدانية التي شهدتها مناطق عدة كإدلب وحلب وحمص، وتطور بعضها إلى هجوم مباشر على منازل "الشبيحة" لطردهم، تكشف عن عمق المعضلة البنيوية التي تواجهها السلطة اليوم بين ضغط الشارع المُطالب بالمحاسبة الفورية، وسعيها لضبط الملف ضمن مسار قانوني مُمأسس يمنع الانزلاق نحو الفوضى.

وأوضح الشعال أن هذا المسار القانوني الحساس لن ينجح دون وجود قضاء مسؤول، حازم، وكفء يستوعب ويعي دقة المرحلة وخطورتها، لا سيما وأن تفكيك هذه المنظومة يواجه عقبة معقدة كون هؤلاء الشبيحة مراكز نفوذ تغلغلت في مفاصل الدولة وأجهزتها - بما فيها القضائية - عبر ارتباطاتهم بالأجهزة الأمنية وحزب البعث.

وضرب الشعال مثالاً بأنه إذا أقصى تنظيمٌ نقابي الفاسدين و"الشبيحة" من صفوفه، فتحركت أذرعهم داخل القضاء لإلغاء قراراته، واستجاب لهم القضاء متذرعاً بتلاعب بمدلول النصوص أو بتفسير منفصل عن مقتضيات العدالة الانتقالية، فستكون تلك ضربة تُجهض مسار مأسسة القانون، وتثير تشكيكاً عميقاً بجدية الإجراءات في المجتمع.

واختتم الشعال بالإشارة إلى أن تفكيك منظومة التشبيح هو الاختبار الحقيقي الأهم للسلطة والقضاء معاً، محذراً من أنه إذا خَذَلَ القضاء إرادة التغيير وانصاع لمراكز النفوذ القديمة، ستسقط الثقة بدولة القانون، وينزلق المجتمع نحو الفوضى وتفاقم ظاهرة "استيفاء الحق بالذات" عندما يرى الناس أن العدالة مجرد حبرٍ على ورق.

وفي هذا السياق أصدر حسن الدغيم بياناً مطولاً أكد فيه رفضه المطلق لأي دعوات للانتقام خارج إطار القانون، رغم ما تعرضت له بلدته جرجناز وأهلها من قتل وتهجير وتدمير خلال سنوات الحرب، معتبراً أن الثورة السورية قامت على قيم العدالة والأخلاق وأن محاسبة المجرمين يجب أن تتم حصراً عبر الدولة ومؤسساتها.

من جانبه شدد الصحفي براء عثمان على ضرورة الثقة بأجهزة الدولة ومؤسساتها، لكنه أشار إلى أن انتظار العدالة يصبح أكثر صعوبة عندما يرى الضحايا المتورطين السابقين يتجولون بينهم دون مساءلة، داعياً إلى تسريع إجراءات الملاحقة القانونية.

أما المحامي عروة السوسي فاعتبر أن استيفاء الحق بالذات أمر مرفوض، إلا أنه انتقد ما وصفه بإعادة تدوير بعض الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق وعودتها إلى المشهد العام، داعياً إلى الإسراع بإنشاء مكاتب وفروع للعدالة الانتقالية في المحافظات لاستقبال شكاوى المتضررين وتحويلها إلى القضاء المختص.

بدوره أكد عضو مجلس الشعب عقيل حسين أن المطالبة بمحاسبة المجرمين حق مشروع وواجب وطني، لكنه شدد على أهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة وتقويتها وعدم السماح بإضعافها أو المساس بهيبتها، داعياً إلى منح المؤسسات الوقت اللازم لاستكمال بنائها وتطوير أدائها.

وفي الاتجاه ذاته رأى الحقوقي المعتصم الكيلاني أن غضب الناس مفهوم ومشروع، لكن تنفيذ العدالة يجب أن يبقى حصراً ضمن إطار القانون، محذراً من أن عمليات الانتقام الفردية من شأنها تعقيد مسار العدالة الانتقالية وتهديد السلم الأهلي.

كما دعا الشيخ مطيع البطين إلى الضغط على الدولة بكل الوسائل المشروعة من أجل محاسبة المجرمين، معتبراً أن أي دعوات لتولي الأفراد أو المجموعات هذه المهمة ستؤدي إلى فوضى خطيرة قد تطال الأبرياء قبل المذنبين.

في المقابل برزت أصوات رأت أن سبب الاحتقان الشعبي يعود أساساً إلى بطء الإجراءات الرسمية فقد اعتبر الصحفي حسن الأسمر أن لوم الشارع على غضبه يتجاهل الأسباب الحقيقية للأزمة، وعلى رأسها تأخر إقرار التشريعات المرتبطة بالعدالة الانتقالية وعدم تحقيق تقدم ملموس في ملف المحاسبة.

كما رأى المحامي باسل سعيد مانع أن سوريا تقف أمام استحقاق وطني بالغ الأهمية يتمثل في تشكيل مجلس الشعب وإقرار قانون العدالة الانتقالية، مؤكداً أن السلم الأهلي والعدالة الانتقالية مساران متكاملان لا متعارضان، وأن استمرار التأخير قد ينعكس سلباً على الاستقرار المجتمعي والثقة بين الدولة والمواطنين.

أما الكاتب محيي الدين اللاذقاني فاعتبر أن الاحتجاجات الأخيرة أثبتت أن تأجيل العدالة الانتقالية لم يؤد إلى تهدئة الغضب الشعبي كما كان يعتقد البعض، بل ساهم في زيادة مستوى الاحتقان، محذراً من أن استمرار التأخير قد يؤدي إلى انفجارات شعبية جديدة.

من جهته تناول ميشال شماس جانباً مختلفاً من القضية، محملاً بعض الناشطين والإعلاميين المؤيدين للحكومة مسؤولية تأجيج خطاب التحريض والكراهية خلال الفترة الماضية، قبل أن يعودوا للمطالبة بضبط النفس بعد ظهور تداعيات هذا الخطاب على الأرض.

وفي إطار دعم الموقف الرسمي، دعا أحمد زيدان مستشار الرئيس أحمد الشرع إلى الثقة بقيادة الدولة وعدم الانجرار وراء دعوات قد تبدو في ظاهرها مطالبة بالحق بينما تؤدي عملياً إلى الفوضى وتقويض الاستقرار، مؤكداً أن العدالة الانتقالية قادمة وأن المطلوب هو الحفاظ على وحدة الصف ودعم مؤسسات الدولة.

وتأتي هذه المواقف في وقت كانت فيه وزارة الداخلية قد أكدت سابقاً، عبر تصريحات المتحدث باسمها نور الدين البابا، إلى قرب الإعلان عن مستجدات مهمة تتعلق بملف العدالة الانتقالية بالتعاون مع وزارة العدل والهيئة العامة للعدالة الانتقالية، في مؤشر على أن الدولة تعمل على استكمال الإجراءات المرتبطة بهذا الملف.

هذا ويعكس المشهد الحالي حالة توافق واسعة على ضرورة المحاسبة وعدم إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب، مقابل تباين واضح في تقييم سرعة أداء المؤسسات الرسمية وآليات تنفيذ العدالة الانتقالية وبينما يطالب الشارع بخطوات أسرع وأكثر وضوحاً، تؤكد الدولة أن العدالة لا يمكن أن تتحقق إلا عبر المؤسسات المختصة وبعيداً عن الانتقام أو المحاكمات الشعبية، في معادلة تبدو مرشحة لأن تشكل أحد أهم التحديات السياسية والاجتماعية خلال المرحلة المقبلة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ