
الصليب الأحمر: ارتفاع مأساوي في ضحايا الذخائر المتفجرة بسوريا وتحذير من كارثة مستمرة
دعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى تكثيف الجهود لمواجهة الخطر المتزايد الذي تشكله الذخائر المتفجرة والألغام في سوريا، مشيرة إلى أن هذه المخلفات الحربية لا تزال تشكل تهديداً قاتلاً للمواطنين في مختلف المناطق السورية، وخاصة مع عودة الكثير من النازحين إلى مناطقهم الأصلية بعد سنوات من النزوح.
جاء ذلك في بيان أصدرته اللجنة بمناسبة "اليوم العالمي للتوعية بمخاطر الألغام"، الذي يُصادف الرابع من نيسان/أبريل من كل عام، بحسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 8 كانون الأول/ديسمبر عام 2005.
وأوضح رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سوريا، ستيفان ساكاليان، أن البلاد شهدت منذ الثامن من ديسمبر الماضي ارتفاعاً مأساوياً في عدد ضحايا الذخائر المتفجرة، حيث تم تسجيل 748 إصابة حتى الخامس والعشرين من شهر آذار المنصرم، معظمها في مناطق مدنية.
وبيّن ساكاليان أن الألغام ومخلفات الحرب أزهقت أرواح عدد من الأطفال أثناء اللعب في محافظتي درعا وحماة، كما أصيبت نساء في دير الزور وإدلب أثناء جمع الحطب والخردة المعدنية، فيما تعرض مزارعون في منطقة دوما لإصابات بالغة أثناء عملهم في أراضيهم الزراعية.
ولفت إلى أن هذا الارتفاع الحاد في عدد الضحايا مرتبط بشكل مباشر بالتحولات الميدانية والسياسية التي شهدتها البلاد خلال الأشهر الأخيرة، لاسيما بعد عودة آلاف العائلات إلى مناطقهم بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر العام الماضي.
وأشار إلى أن أكثر من نصف سكان سوريا يعيشون اليوم تحت خطر الذخائر غير المنفجرة، مؤكداً أن الأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً، إذ يشكلون ثلث إجمالي الضحايا.
وحذر ساكاليان من أن استمرار هذه الأوضاع دون تدخل فعّال قد يؤدي إلى مزيد من المآسي، داعياً إلى توسيع حملات التوعية المجتمعية بمخاطر الألغام، وزيادة الدعم لعمليات إزالة المخلفات الحربية، وتوفير المعدات والموارد اللازمة، من أجل حماية أرواح المدنيين، وتأمين سبل العيش الآمن في المناطق المتضررة.
قنابل مؤجلة تسرق أحلام العودة
تعد الذخائر غير المنفجرة "إرثًا قاتلًا" تركه النظام البائد خلفه، لتتحول إلى "فخاخٍ يومية تحصد الأرواح" وتعيق أي محاولة لتعافي المجتمعات السورية. وتؤكد مؤسسة الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) أن المدنيين يعيشون وسط "مساحات ملوثة بالموت"، وأن الألغام باتت تمثل "أحد أبرز التحديات التي تعوق حرية الحركة والعودة والاستقرار".
ووفق تقرير صادر عن المؤسسة، فإن المنازل، الأراضي الزراعية، وحتى أماكن لعب الأطفال، لا تزال تعج بمخلفات القصف، في مشهد يعكس مدى العشوائية والتدمير الذي خلفه النظام البائد وحلفاؤه على مدى أكثر من عقد.
ثلثا السوريين مهددون
من جهتها، حذّرت منظمة "هانديكاب إنترناشونال" من أن ما يقارب 15 مليون سوري، أي ثلثي السكان، معرضون لخطر الذخائر غير المنفجرة، والتي تُقدّر أعدادها بما بين 100 ألف إلى 300 ألف قطعة. ووصفت المنظمة الوضع بأنه "كارثة إنسانية غير مسبوقة"، وسط انتشار هذه القنابل في معظم أرجاء البلاد.
وقالت "دانيلا زيزي"، مسؤولة برنامج سوريا في المنظمة، إن استخدام أكثر من مليون ذخيرة متفجرة خلال الحرب يجعل من إزالة هذا الخطر تحديًا كبيرًا، خصوصًا مع ازدياد عدد العائدين إلى مناطقهم، إذ عاد قرابة 800 ألف نازح داخليًا، و280 ألف لاجئ منذ سقوط النظام في ديسمبر 2024.
وأشارت زيزي إلى تصاعد عدد الحوادث المرتبطة بهذه المخلفات، حيث سُجّلت 136 حادثة خلال شهري كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير من هذا العام، فيما تواصل الفرق الميدانية توثيق إصابات وبتر أطراف ناجمة عن انفجارات مفاجئة.
الحاجة إلى خريطة تطهير
تشدد المنظمات الإنسانية والحقوقية على ضرورة إطلاق خريطة وطنية شاملة لتطهير الأراضي السورية، من خلال فرق مختصة، وبدعم دولي، لتأمين حياة المدنيين وضمان عودة آمنة ومستدامة للنازحين.
وإلى أن يتحقق ذلك، يبقى "الموت المؤجل" شبحًا يطارد السوريين في كل خطوة، ويذكرهم إرث الحرب لم ينتهِ بعد بسقوط الطاغية، بل ما زال حاضرًا في التراب الذي يدوسونه، وفي كل حجر لم يُقلب بعد.