من السلطة البعيدة إلى الخدمة الميدانية: مقارنة بين المسؤولين في عهد الأسد وسوريا الجديدة
تسعى الشخصيات الرسمية والحكومية في سوريا إلى ترسيخ صورة جديدة لدى الأهالي بعد سقوط النظام السابق، تقوم على تحويل نمط العلاقة مع الدولة من سلطة تُفرض بالقوة، إلى إدارة قريبة من أبناء البلاد، تُعلي من شأن الخدمة العامة، وتركّز على تلبية احتياجات المواطنين وتحسين ظروفهم المعيشية.
وفي هذا الإطار، برز الموقف اللافت لمحافظ إدلب، السيد محمد عبد الرحمن، خلال زيارته أحد المخيمات، حين قال: «أنا طالع من المخيمات… ما بدي كراسي»، وقد أراد من خلال عبارته التأكيد للأهالي أنه عايش التجربة نفسها ويعرف تفاصيل معاناتهم، وأن العلاقة بينه وبينهم تقوم على القرب والثقة لا على الحواجز الرسمية أو مظاهر السلطة.
كما بذل المحافظ خلال الساعات الماضية جهوداً وُصفت باللافتة، عبر قيامه بزيارة عدد من المخيمات المتضررة جراء الأمطار في كفرلوسين وأطمة شمال إدلب، متنقلاً بين العائلات المتضررة دون مواكب رسمية أو كاميرات إعلامية. وقدم مساعدة لمواطن سوري كان قد تعرض لحادث سير.
ولا يقتصر هذا التوجّه على محافظة إدلب فحسب؛ إذ شهدت محافظات أخرى مبادرات مشابهة، كان من أبرزها ما قام به محافظ حلب، المهندس عزام الغريب، الذي زار عدداً من المخيمات في شمالي المحافظة، واصفاً إياها بـ"مخيمات العز والكرامة". كما شدد خلال جولته على أن تحسين أوضاع قاطني هذه المخيمات سيكون ضمن أولويات العمل خلال عام 2026.
وقد انعكست هذه الروح — روح التفاعل المباشر مع المواطنين والحرص على الوقوف إلى جانبهم في الظروف الصعبة — في مواقف أخرى مشابهة. فقد ظهرت اللهفة تجاه معاناة الأهالي والسعي لخدمتهم والتقرب منهم لدى محافظ حماة عبد الرحمن السهيان ومحافظ حمص عبد الرحمن الأعمى، إلى جانب عدد من المسؤولين الحكوميين الٱخرين، من خلال مبادرات إنسانية سابقة جسدت حضورهم في الميدان إلى جانب المتضررين.
هذه الممارسات ترسل رسالة واضحة مفادها أن المسؤول الحكومي في “سوريا الجديدة” بات أقرب إلى الناس، يعمل لخدمتهم ويستمع لاحتياجاتهم، ويسعى إلى تحويل مؤسسات الدولة إلى شريك داعم للمواطنين يعمل معهم لتحقيق الاستقرار وتحسين ظروف معيشتهم.
على عكس ما اعتاده السوريون خلال عهد الأسد، حيث كان المسؤول الحكومي يتكبّر على الآخرين، يتنقّل بسيارات فارهة وسط مواكب رسمية ومرافقة، ولا يسمح للمواطنين بالاقتراب أو الحديث معه إلا بعد التفتيش — إن سُمح لهم أساساً — بينما الصورة الآن تتجه إلى قدر أكبر من القرب والانفتاح على الناس، حيث يسعى المسؤولون إلى الوجود بين الأهالي والاستماع المباشر لمعاناتهم والعمل على تلبية احتياجاتهم.
ختاماً، تؤكد هذه المواقف أن المسؤول الحكومي أصبح أقرب إلى الأهالي، يشعرون أنه واحد منهم وليس شخصاً أعلى منهم، وأنه يعمل على خدمتهم ومساعدتهم دون وجود أي حاجز بينهم، بما يعكس تحوّلاً واضحاً بعد سنوات طويلة من الانفصال بين السلطة والشعب.