مأزق الكشف عن الجناة في سوريا: بين الحق في الحقيقة ومبدأ البراءة
مأزق الكشف عن الجناة في سوريا: بين الحق في الحقيقة ومبدأ البراءة
● أخبار سورية ١ يناير ٢٠٢٦

مأزق الكشف عن الجناة في سوريا: بين الحق في الحقيقة ومبدأ البراءة

أكد فضل عبد الغني، مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في مقاله المنشور على موقع "الجزيرة نت" تحت عنوان "مأزق الكشف عن هويات الجناة في سوريا"، أن الجدل القائم بشأن الإفصاح عن أسماء مرتكبي الانتهاكات في سوريا يرتبط بتوتر قانوني وأخلاقي ناشئ عن تضارب مبدأين أساسيين: الحق في معرفة الحقيقة، ومبدأ افتراض البراءة.

وأوضح عبد الغني أن الحق في معرفة الحقيقة يُعد من الحقوق الأساسية التي أرساها القانون الدولي، وهو لا يقتصر فقط على معرفة الوقائع، بل يشمل كذلك معرفة هوية الجناة ودوافعهم والأنماط التي تحكم سلوكهم. في المقابل، يشكل مبدأ افتراض البراءة حجر الأساس في النظم القضائية الحديثة، حيث يهدف إلى حماية الأفراد من الإدانة الاجتماعية والتبعات القانونية قبل ثبوت المسؤولية الجنائية من خلال محاكمة عادلة.

وتتفاقم هذه الإشكالية في السياقات الانتقالية، كالوضع السوري، حيث تكون المؤسسات القضائية ضعيفة أو مسيسة، وتغيب آليات المحاسبة، ما يجعل من الإفصاح العلني عن هويات الجناة المزعومين وسيلة شبه وحيدة لتحقيق بعض من العدالة العامة، في ظل انعدام البدائل القضائية.

ويرى عبد الغني أن للكشف العلني عن الجناة قيمة أخلاقية وتوثيقية بالغة، خصوصاً في البيئات التي شهدت إنكاراً ممنهجاً للانتهاكات. فالإفصاح يمثل اعترافاً مؤسسياً بمعاناة الضحايا، ويُكرّس روايتهم في الذاكرة الجمعية، ويمنع محاولات تحريف الوقائع أو إنكارها مستقبلاً.

وأضاف أن الإفصاح العلني يكتسب أيضاً بُعداً استراتيجياً على صعيد الردع، إذ يبعث برسالة إلى الجناة المحتملين بأن الجرائم لن تمر دون تبعات، حتى في ظل غياب الملاحقة القضائية. وفي السياقات التي تغيب فيها العدالة، قد يشكل فقدان الشرعية الاجتماعية ووسم الجناة معنوياً رادعاً فعالاً على المدى القصير.

ومع ذلك، شدد عبد الغني على ضرورة التمييز بين وظيفة التحقيق ووظيفة المحاكمة، مذكراً بأن لجان تقصي الحقائق ليست جهات قضائية ولا تملك صلاحية إصدار أحكام إدانة. ولهذا، ينبغي أن تُعبّر تقارير التحقيق عن النتائج بلغة دقيقة تراعي الفرق بين الشكوك المدعومة بالأدلة والإدانة القضائية المؤكدة.

ولفت إلى أن الإفصاح غير المنضبط عن الهويات قد ينطوي على انتهاك لحقوق الدفاع، خاصة إذا لم يُمنح المشتبه بهم فرصة الاطلاع على ما يُنسب إليهم أو الرد عليه. كما قد يتسبب في تعريض الشهود للخطر، لا سيما في السياقات التي لا تزال موازين القوة تميل لصالح الجناة.

وعلى صعيد الأمم المتحدة، أشار عبد الغني إلى تطور ملحوظ في آليات عمل لجان التحقيق الدولية، ومنها استخدام نموذج "النقل السري الموجه"، حيث تُحفظ أسماء الجناة المزعومين في وثائق سرية تُسلّم إلى جهات مختصة لاستخدامها لاحقاً في مسارات المساءلة.

وتناول المقال تجارب لجان الحقيقة في دول مختلفة، مشيراً إلى أن التجربة الجنوب إفريقية تبنت نهج الشفافية الكاملة، في حين فضلت دول أخرى الحفاظ على سرية الأسماء وفقاً لخصوصية سياقاتها السياسية والاجتماعية.

كما دعا عبد الغني إلى اعتماد النموذج التسلسلي في معالجة مسألة الإفصاح، بحيث يُؤجَّل الإعلان عن الأسماء إلى حين توافر بيئة آمنة وضمانات قضائية كافية، وهو ما يحقق توازناً بين الحاجة إلى الاعتراف، ومتطلبات الحماية وقرينة البراءة.

وأوضح أن بعض الهيئات طوّرت نماذج هجينة، مثل الإفصاح التدريجي عن أسماء كبار المسؤولين، أو الإفصاح المشروط الذي يرتبط بتحقيق معايير أمان واضحة.

وختم عبد الغني بالتنبيه إلى أن الإفصاح غير المدروس قد يُقوّض ثقة الضحايا بمسارات العدالة، ويُضعف مشاركتهم، داعياً إلى تبني آليات بديلة مثل جلسات الاستماع العلنية أو تقارير توثيقية دون أسماء، أو اعتماد وسائل لحفظ الذاكرة الجماعية كمتحف أو نصب تذكارية. وأكد أن أي قرار بشأن الإفصاح يجب أن يكون جزءاً من إستراتيجية متكاملة للعدالة الانتقالية تأخذ في الاعتبار السياق المحلي وتعقيداته.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ