مطالبات شعبية في دير الزور بمحاسبة قادة سابقين في ميليشيات النظام المخلوع
عادت قضية محاسبة عناصر وقيادات مرتبطة بالنظام المخلوع إلى واجهة المشهد في محافظة دير الزور، بعد موجة إفراجات متتالية طالت شخصيات متهمة من قبل الأهالي والناشطين بالضلوع في انتهاكات جسيمة خلال سنوات حكم الأسد، ما فجّر حالة غضب شعبي متصاعدة، وطرح مجدداً تساؤلات عميقة حول مسار العدالة الانتقالية في المحافظة.
وفي هذا السياق، عقد تجمع ثوار دير الزور لقاءً موسعاً مساء السبت في مضافة دير الزور، جمع عدداً من أبناء المدينة مع محافظ دير الزور غسان السيد أحمد، في محاولة لنقل الاحتقان الشعبي مباشرة إلى السلطات المحلية، ووضع ملف الإفراجات الأخيرة على طاولة النقاش الرسمي.
وخلال اللقاء، عبّر المشاركون عن استيائهم من قرارات إخلاء السبيل التي شملت عناصر وقادة سابقين في ميليشيات الدفاع الوطني وأجهزة أمنية تابعة للنظام المخلوع، معتبرين أن تلك الخطوات أعادت إلى الواجهة مشاعر الظلم، وخلقت انطباعاً بأن بعض الملفات تُدار بمعايير غير متوازنة، خصوصاً في ظل استمرار توقيف معارضين سابقين وقادة ميدانيين في فصائل الثورة دون توجيه تهم واضحة أو صدور أحكام قضائية بحقهم.
وأكد تجمع ثوار دير الزور أن الإفراج عن شخصيات معروفة بعدائها للثورة لم يكن مجرد إجراء قانوني عابر، بل حمل دلالات خطيرة على المستوى المجتمعي، لافتاً إلى أن بعض المفرج عنهم ظهروا علناً في تسجيلات مصورة، أطلقوا خلالها تهديدات واستفزازات مباشرة، ما زاد من حدة الغضب الشعبي، وأعاد إلى الأذهان ممارسات مرحلة القمع السابقة.
وأشار المتحدث إلى أن الاحتقان تفاقم مع ما تداوله الأهالي حول عودة بعض تلك الشخصيات إلى مواقع نفوذ داخل مؤسسات عسكرية وأمنية، في وقت لا يزال فيه مقاتلون وقادة سابقون في الجيش السوري الحر رهن الاعتقال، مطالباً بالإفراج الفوري عن عدد منهم، ومشدداً على أن غياب العدالة المتوازنة يهدد السلم الأهلي ويقوض الثقة بالإجراءات القضائية.
من جانبه، أعلن محافظ دير الزور غسان السيد أحمد تبنيه لمطالب الأهالي، مؤكداً أن ملف الإفراجات بات محل متابعة مباشرة مع وزارة الداخلية. وأوضح أن الوزير أنس خطاب أبدى اهتماماً خاصاً بالقضايا المتعلقة بإطلاق سراح شخصيات مرتبطة بالنظام المخلوع، خاصة بعد توثيق تهديدات علنية صدرت عن بعضهم، الأمر الذي اعتبره المحافظ مؤشراً خطيراً لا يمكن تجاهله.
وطالب السيد أحمد المجتمعين بتقديم مطالب محددة ومدروسة، تمهيداً لرفعها رسمياً إلى رئاسة الجمهورية ووزارة الداخلية، مؤكداً أن معالجة هذه الملفات يجب أن تتم ضمن مسار قانوني واضح، يوازن بين مقتضيات العدالة ومتطلبات الاستقرار.
وتأتي هذه التطورات في ظل حالة استنكار ممتدة تشهدها دير الزور منذ أشهر، عقب الإفراج عن موقوفين يصنفهم ناشطون محليون على أنهم متورطون بجرائم حرب وانتهاكات بحق أبناء المحافظة خلال حكم النظام المخلوع.
وعلى الرغم من تأكيد قيادة الأمن الداخلي أن بعض قرارات الإفراج استندت إلى نتائج تحقيقات قضائية لم تثبت تورط الموقوفين بسفك الدماء، إلا أن هذه التبريرات لم تنجح في تهدئة الشارع.
وتصاعد الغضب الشعبي بشكل ملحوظ بعد الإفراج عن شخصيات مثيرة للجدل، من بينها قادة سابقون في ميليشيات الدفاع الوطني وعناصر عملوا ضمن أجهزة أمنية، وصولاً إلى إطلاق سراح مدلول العزيز، أحد أبرز قادة تلك الميليشيات، والذي اعتُبر الإفراج عنه نقطة تحول في مستوى الاحتجاجات، نظراً لما يمثله من رمزية لدى أهالي دير الزور.
في المقابل، تؤكد قوى الأمن الداخلي التزامها بملاحقة المتورطين وتقديمهم للعدالة، مشيرة إلى أن قرارات إخلاء السبيل لا تعني إغلاق الملفات نهائياً، وأن أي أدلة جديدة ستقود إلى إعادة التوقيف، كما حدث في عدد من القضايا السابقة. وتشدد على أن تحقيق العدالة يتطلب تعاوناً مجتمعياً فاعلاً، عبر توثيق الجرائم وتقديم الشهادات والأدلة القانونية.
وبين مطالب الشارع وضغوط الذاكرة الثقيلة للانتهاكات، يقف ملف العدالة في دير الزور عند مفترق حساس، حيث يرى كثيرون أن نجاح المرحلة المقبلة مرهون بقدرة الدولة على تحقيق محاسبة حقيقية تطمئن الأهالي، وتغلق الباب أمام عودة رموز النظام المخلوع إلى المشهد، بما يضمن عدم تكرار مآسي الماضي وترسيخ الاستقرار في المحافظة.