وقفة صامتة في ساحة الحرية.. بانياس تخلّد ذكرى ضحايا مجازر النظام البائد
وقفة صامتة في ساحة الحرية.. بانياس تخلّد ذكرى ضحايا مجازر النظام البائد
● محليات ٢ مايو ٢٠٢٦

وقفة صامتة في ساحة الحرية.. بانياس تخلّد ذكرى ضحايا مجازر النظام البائد

في الذكرى الثالثة لمجازر نظام الأسد البائد في مدينة بانياس بريف طرطوس، تستعيد المدينة فصول الجريمة التي بدأت خيوطها الدامية في صبيحة الثاني من أيار لعام 2013، حين أطبق نظام الأسد البائد حصاره العسكري على قرية البيضا بريف بانياس، مستخدماً القصف المدفعي العشوائي من القطع العسكرية المحيطة منذ السابعة صباحاً ولعدة ساعات متواصلة، لتبدأ بعدها في تمام الساعة العاشرة عملية اقتحام بري وحشي شاركت فيها قوات الأمن والشبيحة من محاور جبل العجمة وقرية المراح.

 

وفي مثل هذا اليوم تحولت أزقة قرية المراح ومنازلها إلى مسارح لعمليات تصفية ميدانية مروعة استمرت حتى ساعات الظهيرة، حيث لم يكتفِ القتلة بإطلاق الرصاص على رؤوس المدنيين العزل، بل استخدموا السكاكين والسواطير في ذبح الأطفال والنساء، ووصل بهم الإجرام إلى حد رجم الضحايا بالحجارة حتى الموت وحرق جثث عائلات بأكملها داخل بيوتها، فضلاً عن اقتياد العشرات إلى قرية الزوبة المجاورة وحرقهم وهم على قيد الحياة، في سعي حثيث من النظام البائد لترهيب الحاضنة الثورية في منطقة كانت قد قدمت نموذجاً سلمياً ووطنياً منذ آذار 2011.

 

ومع حلول يوم الجمعة الثالث من أيار 2013، وبينما كانت دماء البيضا لم تجف بعد، انتقلت آلة القتل إلى حي رأس النبع في قلب مدينة بانياس، بعد وصول تعزيزات ضخمة من اتجاهي جبلة وطرطوس، حيث تعرض الحي لحصار خانق وقصف هو الأعنف من نوعه بمعدل أربع قذائف في الدقيقة الواحدة، شاركت فيه المدفعية المتمركزة في سهم البحر وبرج الصبي ومدرسة الصناعة، بالإضافة إلى البوارج الحربية من جهة البحر. 

 

وعقب ساعات من القصف المركز، اقتحمت قوات نظام الأسد البائد الحي وباشرت عمليات ذبح وتصفية لكل من وجد في طريقها، مترافقة مع عمليات نهب واسعة للممتلكات وإحراق للمنازل والجثث بداخلها، وشوهدت سيارات الشبيحة وهي تنقل المسروقات علانية باتجاه طرطوس، وسط حالة من الذعر دفعت الأهالي للنزوح الجماعي في الرابع من أيار، ليتفاجؤوا بحواجز النظام التي منعت كل من يحمل قيد مدينة بانياس من دخول مدن الساحل المجاورة، مما اضطر العائلات المشردة للافتراش في البساتين والقرى الريفية والكنائس التي فتحت أبوابها لاستقبال الفارين من الموت.

 

وأسفرت هذه المجازر الممنهجة التي استمرت فظائعها حتى السادس من أيار 2013، عن سقوط مئات الشهداء الموثقين، من بينهم عائلات "بياسي، الشغري، طه، جلول، ورجب"، في جرائم حرب وضد الإنسانية.

 

وبعد القصف، اقتحمت قوات النظام الحي وارتكبت عمليات قتل واسعة باستخدام الذبح، ونهبت المنازل وأحرقتها بما فيها من جثث المدنيين، بينما تم نقل المسروقات إلى مدينة طرطوس.

 

و شهدت المنطقة حينها موجة نزوح كبيرة، لكن قوات النظام أقامت حواجز على مداخل المدن المجاورة لمنع النازحين من الدخول، ما اضطر البعض للعودة إلى المدينة رغم الخطر.

 

شاركت مجموعات طائفية بقيادة علي كيالي، المعروف بـ"معراج أورال"، الذي كان زعيم ميليشيا "المقاومة السورية لتحرير لواء اسكندرون"، في تنفيذ المجزرتين، وسقط مئات الضحايا، مع صعوبة توثيق كامل الأسماء بسبب منع النظام للمنظمات الحقوقية من العمل في مناطق سيطرته.

 

واليوم، إذ يقف أهالي بانياس في ساحة الحرية، فإنهم يؤكدون أن الذاكرة لا تموت وأن الصمت الذي يخيم على الساحة هو أبلغ نداء للمطالبة بالقصاص والعدالة الانتقالية، مشددين على أن جرائم نظام الأسد البائد لا تسقط بالتقادم مهما طالت سنوات الإفلات من العقاب، وأن الحقيقة التي حاولت وسائل إعلام النظام تزييفها عبر تصوير الضحايا كإرهابيين بعد غسل مسرح الجريمة بالماء، ستبقى حاضرة في وجدان السوريين كدليل قاطع على ضرورة النظام البائد على جرائمه

 

وفقاً لشهادات الأهالي ومصادر محلية في أيار من عام 2013، تحولت قرية البيضا الواقعة على بعد 12 كيلومتراً جنوب مدينة بانياس في محافظة طرطوس إلى مسرح لمجزرة مروعة ارتكبتها قوات النظام البائد، راح ضحيتها 250 شهيداً من سكانها، بينهم أطفال ونساء وشيوخ، 

 

وأكد رئيس بلدية البساتين، عمر جميل وحود، في تصريح صحفي مؤخرا أن قوات الدفاع الشعبي والأمن العسكري وجيش النظام البائد حاصروا القرية مطلع أيار 2013، وبدؤوا بتمشيط الحارة الجنوبية وصولاً إلى ساحة القرية، حيث جُمعت العائلات في مجموعات، قبل أن تبدأ عمليات القتل الجماعي والتنكيل، تخللها حرق للمنازل وسلب للممتلكات، وأوضح أن المجزرة أدت إلى استشهاد 250 شخصاً، معظمهم من المدنيين العزل.

 

وروى أحد سكان القرية فقد ابنه في المجزرة داهمت القوات القرية من جميع المحاور، ولم ينجُ أحد من نيرانهم، حتى الأطفال لم يسلموا، رأيت بعيني كيف أُعدم طفل يبلغ من العمر شهرين فقط، لمجرد أنه كان يبكي أما مصطفى محمد طه ففقد والده العاجز، إلى جانب عدد من أفراد أسرته، ويقول: لم يكتفوا بالقتل، بل أحرقوا منزلي ومحلي التجاري بالكامل.

 

ويؤكد أسامة علي بياسي أن النظام البائد أباد عائلات بأكملها، ويشير هيثم القاضي إلى أن 35 فرداً من أسرته، بينهم إخوة وأبناء إخوة قضوا في المجزرة.

 

وذكر ضرار يوسف تفاصيل اللحظات الأولى في الساعة السابعة صباحاً سمعنا صوت انفجار، ثم بدأت الشبيحة بتجميعنا في منزل واحد، أُعدم أخي لقمان أمام والدته، رغم توسلاتها، وعندما خرجت رأيت جثثاً في كل مكان، قتلوا الناس بأبشع الطرق.

 

وسُمّيت القرية بالبيضا نسبة إلى لون تربتها، ويقدر عدد سكانها بنحو 5780 نسمة وفقاً لإحصائية عام 2016، تحدها شمالاً مدينة بانياس، وشرقاً بلدة الخريبة، وجنوباً متن الساحل، اليوم، تبقى البيضا رمزاً للمأساة، وندبة في ذاكرة السوريين، تروي للأجيال القادمة فصولاً من الألم، وتؤكد أن العدالة لا تسقط بالتقادم، وأن الجرائم التي ارتكبها النظام البائد لن تُمحى من سجل التاريخ.

 

في سياق توثيق الجرائم التي ارتكبها النظام البائد بحق المدنيين، تبرز مجزرة قرية البيضا في ريف طرطوس كواحدة من أبشع الفصول في تاريخ الانتهاكات، وتأتي هذه المجزرة ضمن سلسلة من الأحداث التي شهدتها البلاد خلال سنوات القمع، حيث استخدمت فيها أدوات القتل الجماعي والتنكيل والتدمير الممنهج.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ