مجلس الشعب يتجه لإلغاء محكمة قضايا الإرهاب ومفاعيلها القانونية.. طيّ إحدى أبرز أدوات القضاء الاستثنائي في عهد نظام الأسد البائد
كشف عدد من أعضاء مجلس الشعب السوري عن اتخاذ المجلس، خلال جلسة اليوم، قراراً يقضي بإلغاء محكمة قضايا الإرهاب وإنهاء مفاعيلها القانونية، في خطوة تستهدف معالجة إرث إحدى أبرز المحاكم الاستثنائية التي استخدمها نظام الأسد البائد في ملاحقة المعارضين والمشاركين في الثورة السورية.
ووفق ماحصلت "شام" عن أعضاء في المجلس، فقد أقر مجلس الشعب السوري إلغاء قانون إحداث محكمة قضايا الإرهاب، وإنهاء المفاعيل القانونية للأحكام الصادرة عنها، مع إسناد مهمة معالجة وإلغاء تلك المفاعيل إلى مجلس القضاء الأعلى، كما شمل القرار إعفاء المحكومين من الرسوم والضرائب المترتبة على إجراءات إعادة الملكيات التي صودرت بموجب أحكام محكمة قضايا الإرهاب ومحاكم الميدان العسكرية والمحاكم العسكرية.
ويأتي القرار ضمن مسار تشريعي وقضائي أوسع لمراجعة القوانين والأحكام الاستثنائية الموروثة، إذ يملك مجلس الشعب بموجب الإعلان الدستوري صلاحية اقتراح القوانين وإقرارها وتعديل أو إلغاء القوانين السابقة، فيما كانت وزارة العدل قد أكدت في حزيران الماضي أن الإعلان الدستوري نص على إلغاء القوانين الاستثنائية، مع استمرار العمل بالتشريعات النافذة إلى حين تعديلها أو إلغائها وفق الأصول.
مراجعة الأحكام وملاحقة قضاة سابقين
سبق القرار خطوات قضائية استهدفت مراجعة عمل محكمة قضايا الإرهاب والأحكام الصادرة عنها، من بينها تشكيل لجنة قضائية متخصصة لدراسة الأحكام والإجراءات التي أصدرتها المحكمة وغيرها من المحاكم الاستثنائية خلال عهد نظام الأسد البائد، والنظر في مدى توافقها مع الضمانات القانونية وحقوق المواطنين.
كما سبق أن أصدر النائب العام للجمهورية قراراً بمنع مغادرة البلاد بحق نحو مئة قاضٍ معزول، بينهم قضاة سبق لهم العمل في محكمة قضايا الإرهاب، إضافة إلى قضاة أحيلوا إلى التقاعد وآخرين سبق ندبهم للعمل في قيادة حزب البعث المنحل، وعدد من أعضاء مجلس الشعب السابقين، مع الإشارة إلى أن المشمولين بالقرار مدعى عليهم في قضايا ما تزال قيد التحقيق.
وتتقاطع مراجعة أحكام المحكمة مع المادة 48 من الإعلان الدستوري، التي أحال إليها مرسوم العفو العام رقم 39 لعام 2026 فيما يتعلق بالجرائم التي يتولى مجلس القضاء الأعلى إلغاء مفاعيل الأحكام الجائرة الصادرة فيها، ما يضع ملف الأحكام السابقة ضمن مسار قانوني يتجاوز إلغاء المحكمة بوصفها مؤسسة إلى معالجة النتائج التي ترتبت على قراراتها.
محكمة تأسست عام 2012
تأسست محكمة قضايا الإرهاب بموجب القانون رقم 22 لعام 2012، بعد أسابيع من صدور قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 للعام نفسه، لتتولى النظر في القضايا المحالة إليها وفق التشريعات التي اعتمدها نظام الأسد البائد تحت عنوان مكافحة الإرهاب.
ووُجهت إلى المحكمة على مدى سنوات انتقادات حقوقية واسعة بسبب طبيعة القوانين والإجراءات التي عملت بموجبها، ولا سيما في القضايا المرتبطة بالمعارضين السياسيين والمشاركين في الاحتجاجات والنشاط الإعلامي والحقوقي، إضافة إلى الأحكام التي ترتبت عليها آثار تتعلق بالحرية والأموال والممتلكات.
انتقادات حقوقية واسعة لعمل المحكمة
وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير سابق جملة من الانتهاكات التي قالت إنها رافقت عمل المحكمة، واعتبرتها أقرب إلى أداة أمنية وقضائية استخدمها النظام السابق ضد خصومه، مشيرة إلى اعتماد قضايا، وفق توثيقها، على ضبوط أمنية تضمنت اعترافات قالت إنها انتزعت تحت التعذيب، مع انتقادات تتعلق بضمانات الدفاع وقواعد الإثبات واستقلال القضاء.
وذكر التقرير أن المحكمة كانت تنظر في قضايا مدنيين وعسكريين وأحداث، وانتقد آلية تعيين قضاتها وطبيعة الصلاحيات التي مُنحت لها، كما قال إن صياغة بعض مواد قانون مكافحة الإرهاب جاءت واسعة وقابلة للتطبيق على طيف كبير من الأنشطة السياسية والإعلامية والمدنية المعارضة لنظام الأسد البائد.
وأشار التقرير إلى أن بعض الأحكام وصلت إلى الإعدام، كما وثق حالات لمعتقلين قال إنهم اختفوا بعد مثولهم أمام المحكمة، إضافة إلى حالات إعادة اعتقال بعد إخلاء السبيل أو انتهاء مدة الحكم، وهي وقائع وردت ضمن توثيق الشبكة الحقوقية لعمل المحكمة خلال سنوات النظام السابق.
الممتلكات جزء من إرث المحكمة
امتدت آثار عمل محكمة قضايا الإرهاب إلى الأموال والممتلكات، إذ أتاحت تشريعات مكافحة الإرهاب والمرسوم التشريعي رقم 63 لعام 2012 اتخاذ إجراءات حجز ومصادرة بحق أشخاص خضعوا للمحاكمة أو أحيلوا إليها غيابياً، إضافة إلى قرارات أخرى مرتبطة بالجهات الأمنية والمالية.
ووفق إحصاءات أوردتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها، وثقت ما لا يقل عن 3970 حالة حجز على الممتلكات بين بداية عام 2014 وتشرين الأول 2020 استهدفت معارضين موقوفين أو مهجرين قسرياً، بينهم 57 طفلاً، وهي أرقام قالت الشبكة إنها اعتمدت في تقديرها على عمليات رصد ومقابلات ومعلومات جمعتها على مدى سنوات، في ظل غياب الشفافية عن عمل المحكمة وعدم نشرها بيانات تفصيلية عن القضايا والأحكام.
من إلغاء المحكمة إلى معالجة آثارها
يشكل إلغاء محكمة قضايا الإرهاب خطوة مختلفة عن مجرد وقف عملها، إذ يفتح ملفاً قانونياً يتعلق بمصير الأحكام والقرارات والتدابير التي صدرت عنها خلال السنوات الماضية، بما في ذلك أحكام السجن والإعدام والحجز والمصادرة والآثار المدنية والمالية التي ترتبت عليها، وهو ما يجعل آلية إلغاء المفاعيل القانونية وتنفيذها عنصراً أساسياً في المرحلة التالية.
وتأتي الخطوة بالتوازي مع مسار قضائي جديد لمحاسبة شخصيات مرتبطة بنظام الأسد البائد أمام القضاء العادي، إذ شهدت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق خلال الأشهر الأخيرة محاكمات في قضايا تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مع تأكيد وزارة العدل أن المحاكمات تستند إلى القوانين النافذة والأدلة المعروضة أمام القضاء، وأن ضمان حقوق المتهمين وإنصاف الضحايا يمثلان معاً أساساً لتحقيق العدالة.
ويمثل الانتقال من القضاء الاستثنائي إلى المحاكم العادية أحد الملفات المرتبطة بإصلاح المنظومة القضائية بعد سقوط نظام الأسد البائد، فيما ستتحدد الآثار العملية لقرار مجلس الشعب بصورة أدق مع صدور النص التشريعي النهائي، ولا سيما ما يتعلق بكيفية إبطال الأحكام السابقة، واستعادة الحقوق والممتلكات، ومعالجة أوضاع الأشخاص الذين تضرروا من قرارات المحكمة على مدى سنوات.