مبادرة طفلين من تدمر تعيد كنزاً أثرياً إلى المتحف… ووالدهما يكشف لـ"شام" التفاصيل
في مدينة أنهكتها سنوات الحرب والنهب، ودفعت ثمناً باهظاً من إرثها الحضاري، تبرز حكاية صغيرة بحجم طفلين، لكنها كبيرة بمعانيها ودلالاتها، في حديث خاص لشبكة "شام"، يروي السيد خالد مطلق تفاصيل لحظة استثنائية بدأت باكتشاف عابر أمام منزله في تدمر بريف حمص الشرقي، وانتهت بمبادرة وطنية أعادت قطعاً أثرية إلى حضنها الطبيعي، ورسخت درساً في المسؤولية والانتماء.
يستعيد مطلق تفاصيل البداية قائلاً إن القصة انطلقت خلال قيام طفليه عامر ومحمد بتنظيف محيط المنزل، حين عثرا على كيسٍ أثار فضولهما، وببراءة الأطفال، توجها مباشرة إلى والدهما وهما يحملان ما وجدا، ليقولا له: "وجدنا هذا الكيس وفيه عملات قديمة".
يصف الأب تلك اللحظة بأنها كانت مفصلية، إذ لم يكن الأمر مجرد عثور على قطع معدنية، بل بوابة لملامسة تاريخٍ متجذر في أرض تدمر وعند تفقده للمحتويات، أدرك سريعاً أنه أمام عملات أثرية ذات قيمة تاريخية، تنتمي إلى عصور متعددة ومتباعدة زمنياً.
بحسب مطلق، ضمّت المجموعة عملات تعود إلى حقب مختلفة، من البيزنطي والروماني واليوناني، مروراً بالعصور الإسلامية كالأموي والعباسي، وصولاً إلى العثماني، إضافة إلى عملات تدمريّة محلية، ما يجعلها بمثابة سجل زمني مصغر لتاريخ المدينة.
ولم تقتصر المكتشفات على العملات، بل شملت أيضاً سراجاً فخارياً يعود للعصر الروماني، في دلالة على الامتداد الحضاري العميق الذي تختزنه تدمر، والتي لطالما شكّلت نقطة التقاء بين الحضارات.
يؤكد مطلق أن وعيه بحجم الخسائر التي لحقت بآثار تدمر خلال السنوات الماضية كان حاضراً بقوة في تلك اللحظة، مشيراً إلى أن المتحف تعرّض لعمليات نهب وسرقة من جهات متعددة، ما أدى إلى فراغ كبير في محتوياته.
ومن هذا المنطلق، اتخذ قراره الحاسم، موجهاً أبناءه نحو تسليم القطع للجهات المختصة، قائلاً لهم إن هذه الآثار ليست ملكاً شخصياً، بل جزء من تاريخ بلدٍ بأكمله، ومكانها الطبيعي هو المتحف حيث يمكن حفظها وعرضها للأجيال، وأضاف أنه خاطب الطفلين بقوله من الواجب أن نساهم بإرجاعها لمكانها الحقيق يمكن هالمبادرة تشجع غيرنا.
في خطوة سريعة، تواصل مطلق مع مدير آثار تدمر الأستاذ حسن العلي، حيث تم تسليم القطع ليصار إلى فحصها من قبل المختصين وأكدت النتائج الأولية القيمة التاريخية العريقة لهذه اللقى، قبل أن تُحال رسمياً إلى متحف تدمر لتوثيقها وحفظها ضمن السجلات الأثرية، هذا الإجراء لم يكن مجرد تسليم، بل عملية استعادة حقيقية لجزء من الذاكرة المنهوبة، ضمن سياق أوسع من الجهود الرامية لحماية ما تبقى من الإرث الثقافي السوري.
وفي لفتة تقديرية، قامت دائرة آثار تدمر بتكريم الطفلين بهدايا رمزية، إلا أن قيمة هذا التكريم، وفق متابعين، تتجاوز بعدها المعنوي، لتؤسس لثقافة مجتمعية قائمة على الشراكة في حماية التراث.
فالرسالة هنا لا تتعلق فقط بمكافأة مبادرة فردية، بل بتكريس نموذج يُحتذى، خاصة في بيئة ما زالت تواجه تحديات كبيرة على صعيد حماية الآثار ومنع الاتجار غير المشروع بها.
وفي ختام حديثه لشبكة شام الإخبارية وجّه خالد مطلق رسالة واضحة إلى السوريين، دعا فيها كل من يعثر على أي مقتنيات ذات طابع أثري إلى تسليمها للجهات المختصة، مشدداً على أن ما مرّت به البلاد من سرقات ودمار يستوجب اليوم وعياً مضاعفاً ومسؤولية جماعية، وقال إن إعادة بناء سوريا لا تقتصر على الحجر والبنى التحتية، بل تشمل أيضاً استعادة الذاكرة والهوية، التي تُعد الآثار أحد أهم مكوناتها.
ويبدو أن قصة عامر ومحمد ليست مجرد حادثة عابرة، بل تمثل نموذج مصغر لما يمكن أن يصنعه الوعي، حتى في أبسط صوره في مدينة كانت يوماً عاصمة للبادية وملتقى الحضارات، يأتي هذا الموقف ليؤكد أن حماية التاريخ لا تحتاج دائماً إلى قرارات كبرى، بل تبدأ أحياناً من طفلين، وكيس صغير، وقرار صائب.