الجيش السوري الحر... حكاية بندقية رفضت قتل شعبها وذاكرة سنوات الثورة الأولى
في التاسع والعشرين من تموز/يوليو من كل عام، يستعيد السوريون ذكرى تأسيس الجيش السوري الحر، وهي محطة ارتبطت بواحدة من أكثر مراحل التاريخ السوري الحديث حين وجد عدد من الجنود والضباط أنفسهم أمام قرار مصيري بين الأوامر العسكرية التي تنص على قتل الشعب أو الانحياز للواجب الأخلاقي تجاه أبناء شعبهم.
كانت السنوات الأولى للثورة السورية مرحلة شديدة القسوة، اتسمت باختلال كبير في موازين القوة، وبأثمان باهظة دفعها كل من اختار الخروج عن المسار المفروض عليه وفي خضم تصاعد الثورة والاحتجاجات السلمية وتزايد سقوط الشهداء، برزت ظاهرة انشقاق عدد من عناصر الجيش، الذين أعلنوا رفضهم المشاركة في قمع المتظاهرين، واختاروا الوقوف إلى جانب الحراك الشعبي.
لم يكن قرار الانشقاق سهلاً فقد كان يعني بالنسبة للكثيرين ترك الحياة التي عرفوها، ومواجهة المجهول، وتحمل مخاطر الملاحقة والاعتقال والخطر على حياتهم وحياة عائلاتهم لكنه كان، في نظرهم، لحظة فاصلة بين تنفيذ الأوامر العسكرية الإجرامية وبين الاستجابة لنداء الضمير الإنساني والوطني.
في البدايات، لم يكن الجيش السوري الحر يحمل صورة قوة عسكرية تقليدية، بل ظهر باعتباره نتيجة مباشرة لتحولات ميدانية فرضتها ظروف الثورة كانت أولى مهامه التي أعلن عنها حماية المتظاهرين والمناطق التي تشهد احتجاجات، قبل أن تتجه الأحداث لاحقاً إلى مسار أكثر تعقيداً وانفتاحاً على المواجهة المباشرة والحرب المفتوحة وتداخل الأطراف الفاعلة.
أُعلن تأسيس الجيش السوري الحر رسمياً في 29 تموز/يوليو 2011 بقيادة العقيد رياض موسى الأسعد، بعد سلسلة من الانشقاقات التي سبقت الإعلان، كان من أبرزها انشقاق المقدم حسين هرموش في حزيران/يونيو من العام ذاته، والذي مثّل إحدى أولى الإشارات العلنية لخروج ضباط عن المؤسسة العسكرية التابعة للنظام آنذاك.
حملت المرحلة الأولى للجيش الحر خطاباً ركز على حماية المدنيين والدفاع عن المواطنين من مختلف المكونات، وسط ظروف أمنية وسياسية شديدة التعقيد ومع توسع رقعة الاحتجاجات، ازداد عدد المنضمين إليه من العسكريين المنشقين، وتحولت مجموعات صغيرة من الضباط والجنود إلى تشكيلات أكثر تنظيماً في عدد من المناطق السورية.
في ذاكرة تلك السنوات، بقيت صور الجنود الذين خلعوا بزاتهم العسكرية حاضرة لدى أبناء الثورة السورية جنود رأوا أن البندقية التي حملوها لحماية الوطن لا ينبغي أن تستخدم ضد أبناء وطنهم. كانت لحظة الانحياز تلك بالنسبة لكثيرين لحظة اختبار للضمير قبل أن تكون تحولاً عسكرياً.
ومن رحم تلك المرحلة ولدت أغانٍ وأناشيد حملت مشاعر الفخر والأمل، كان من بينها كلمات رددها السوريون آنذاك "جبينك عالي وما بينطال يا هالجيش السوري الحر" وهي عبارات عكست الحالة الشعورية التي رافقت بدايات ظهور الجيش الحر، حين رأى جزء من السوريين في المنشقين رمزاً للتضحية والتمرد على الأوامر التي اعتبروها جائرة.
ومع مرور الوقت، انتقل الجيش السوري الحر من مرحلة الدفاع عن المظاهرات والمناطق إلى خوض مواجهات عسكرية واسعة، في ظل تصاعد العنف وتدخل أطراف إقليمية ودولية، ما أدى إلى تغير طبيعة الصراع وتشعب مساراته، ودخول قوى وتشكيلات متعددة إلى المشهد السوري.
لكن بعيداً عن التحولات السياسية والعسكرية التي رافقت السنوات اللاحقة، تبقى لحظة التأسيس مرتبطة في ذاكرة كثير من السوريين بصورة أولئك الذين اتخذوا قراراً صعباً في لحظة تاريخية استثنائية قراراً رأوه دفاعاً عن الإنسان والكرامة، ودفعوا ثمنه من أمنهم وحياتهم ومستقبلهم.
كانت المشاهد الأولى لظهور عناصر الجيش السوري الحر في المدن والبلدات الثائرة لحظات بقيت عالقة في ذاكرة السوريين مجموعات صغيرة من الجنود المنشقين بعتادهم العسكري يقفون بين المتظاهرين والقوات التي كانت تقتحم المناطق، يحيطون بالحشود، ويؤمنون طرقات المظاهرات، ويحاولون منع الاعتقالات والاقتحامات.
لم يكن عددهم كبيراً، ولم تكن إمكاناتهم تقارن بما تمتلكه مؤسسة عسكرية كاملة، لكن حضورهم حمل معنى رمزياً كبيراً فقد رأى كثير من السوريين في ظهورهم رسالة تقول إن هناك من داخل المؤسسة العسكرية من رفض أن تكون البندقية في مواجهة أبناء البلد.
في درعا، مهد الاحتجاجات الأولى، وفي حمص التي حملت لاحقاً لقب "عاصمة الثورة" وفي ريف دمشق وإدلب وحماة ودير الزور، بدأت تتشكل مجموعات من الضباط والجنود الذين أعلنوا انشقاقهم، وتحولوا من أفراد مطاردين إلى تشكيلات تسعى لحماية المناطق التي دخلت في مواجهة مفتوحة.
كان المشهد الأول للجيش الحر مرتبطاً بالمظاهرة أكثر من ارتباطه بالجبهة العسكرية بندقية تحرس الهتاف، وعسكري يقف إلى جانب مدني أعزل، وجندي رفض قتل الشعب اختار أن يواجه الخطر القادم من موقع كان يفترض أن يكون آمناً له.
في مساء التاسع والعشرين من تموز/يوليو عام 2011، ظهر العقيد رياض الأسعد في تسجيل مصور حمل معه لحظة فارقة في مسار الثورة السورية. لم يكن الظهور مجرد إعلان عن تشكيل عسكري جديد، بل كان تعبيراً عن تحول كبير فرضته الأشهر الأولى من الاحتجاجات، بعد تصاعد عمليات القمع وسقوط أعداد كبيرة من الشهداء بين المدنيين.
بدأ الأسعد كلماته بالترحم على أرواح الشهداء مستحضراً حجم الألم الذي كانت تعيشه البلاد، قبل أن يعلن أن ما وصفه بالمسؤولية الوطنية دفع عدداً من العسكريين إلى اتخاذ قرار الانحياز إلى الشعب.
كان الإعلان يحمل رسالة أساسية مفادها أن مجموعة من الضباط والجنود الذين رفضوا المشاركة في مواجهة المتظاهرين قرروا تنظيم أنفسهم ضمن إطار جديد أطلقوا عليه اسم "الجيش السوري الحر".
وقال الأسعد في بيانه إن تشكيل الجيش السوري الحر جاء "للعمل يداً بيد مع الشعب لنيل الحرية والكرامة"، معلناً أن المهمة التي يضعها أمام هذا التشكيل هي حماية الثورة ومقدرات البلاد، والوقوف في وجه القوات التي كانت تستخدم ضد المدن والاحتجاجات.
وفي البيان الأول، دعا الأسعد العسكريين إلى مغادرة القطعات التي قال إنها لم تعد تمثل الجيش السوري، والانضمام إلى صفوف الجيش السوري الحر، كما وجه رسالة إلى السوريين بضرورة نقل صورة ما يحدث إلى أبنائهم العسكريين، معتبراً أن كثيراً منهم كانوا بعيدين عن حقيقة الأحداث بسبب القيود المفروضة على وسائل الإعلام والاتصالات.
وضمت الهيئة القيادية العقيد أحمد حجازي بصفة نائب قائد الجيش السوري الحر، والمقدم عبد الستار يونسو بصفته قائد كتيبة حمزة الخطيب، والنقيب إبراهيم مجبور قائد كتيبة الحرية، والنقيب علاء الدين قائد كتيبة صلاح الدين، والنقيب أيهم الكردي قائد كتيبة القاشوش، إضافة إلى النقيب تيسير يونسو، والملازم أول أحمد الخلف، والملازم مازن الزين.
لهذا بقيت حكاية الجيش السوري الحر في بداياته أكثر من مجرد قصة تشكيل عسكري انبثقت عنه فصائل الثورة السورية إنها قصة مرحلة كاملة عاشها السوريون، مرحلة انتقل فيها المشهد من الساحات السلمية إلى خطوط المواجهة، ومن حلم التغيير إلى واحدة من أعقد الحروب في القرن الحادي والعشرين.
إن حكاية الجيش السوري الحر في بداياته ليست مجرد سردية عسكرية، بل جزء من ذاكرة مرحلة كاملة عاشها السوريون بين الخوف والأمل، بين حلم التغيير وقسوة الواقع، وبين أصوات المظاهرات الأولى وصدى المواجهات التي غيّرت مسار البلاد.
في ذكرى تأسيسه، يستعيد السوريون أسماء من رحلوا، وقصص من اختاروا طريقاً محفوفاً بالمخاطر، وتبقى تلك السنوات شاهدة على لحظة تاريخية حملت الكثير من الألم والتضحيات والأحلام التي انتظر السوريون تحقيقها لسنوات طويلة وتحققت مع انتصار الثورة السورية وبناء جيش وطني يقوم على حماية الشعب لا قتله وتهجيره وإذلاله.