من برنت إلى كلفة الليتر.. لماذا تواجه أسعار المشتقات النفطية في سوريا ضغوطاً جديدة؟
تواجه سوق المشتقات النفطية في سوريا معادلة معقدة تجمع بين اتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك، والاعتماد الكبير على الاستيراد، وانخفاض قدرات التكرير بالتزامن مع أعمال تأهيل مصفاة بانياس، في وقت تشهد فيه أسواق الطاقة العالمية ارتفاعاً في كلفة البنزين والمازوت الجاهزين واضطراباً في الإمدادات والشحن والتأمين.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن احتياجات سوريا اليومية من النفط الخام والمشتقات النفطية تقدر بنحو 300 ألف برميل، في حين يصل إنتاج النفط الخام محلياً إلى قرابة 100 ألف برميل يومياً، ما يترك فجوة واسعة يتطلب سدها الاعتماد على الاستيراد، سواء عبر تأمين الخام المناسب للتكرير أو شراء المشتقات الجاهزة بصورة مباشرة.
ولا تتوقف المشكلة عند حجم الإنتاج المحلي، إذ إن جانباً كبيراً من النفط السوري المنتج يصنف ضمن الخامات الثقيلة، ولا يتناسب بصورة كاملة مع آليات وقدرات التكرير المتاحة، ما يعني أن وجود إنتاج محلي من الخام لا يتحول بالضرورة إلى كمية مماثلة من البنزين والمازوت والفيول القابلة لضخها مباشرة في السوق.
المازوت يسجل الفجوة الأكبر
تكشف أرقام الاستهلاك والإنتاج حجم العجز في المشتقات الأساسية، إذ تقدر حاجة السوق السورية من المازوت بنحو 7.7 ملايين لتر يومياً، مقابل إنتاج محلي يقدر بنحو 3.4 ملايين لتر، ما يترك فجوة يومية كبيرة يتعين تغطيتها من مصادر أخرى، فيما تشير المعطيات المقدمة إلى عجز يقدر بنحو 4.6 ملايين لتر يومياً.
وتظهر الأرقام وضعاً أفضل نسبياً في البنزين، لكنه يبقى دون مستوى الطلب، إذ تحتاج السوق إلى نحو 2.32 مليون لتر يومياً، بينما يقدر الإنتاج بنحو 1.54 مليون لتر، لتبقى فجوة تقارب 775 ألف لتر يومياً تحتاج إلى التعويض عبر الاستيراد.
وتوضح هذه الأرقام أن استقرار سوق المحروقات يرتبط باستمرار تدفق الشحنات الخارجية، إذ لا تستطيع الكميات المنتجة والمكررة محلياً في وضعها الحالي تغطية كامل الاستهلاك، فيما يرتفع الاعتماد على الخارج بصورة أكبر عند تراجع التكرير أو توقف جزء من قدراته.
عمرة بانياس تضيف ضغطاً مؤقتاً
تتزامن فجوة الإنتاج مع أعمال تأهيل وعمرة في مصفاة بانياس يتوقع أن تحتاج إلى نحو شهرين، وهي أعمال ضرورية لاستعادة كفاءة الوحدات وتحسين قدرتها التشغيلية وجودة المنتجات، لكنها تؤدي خلال فترة تنفيذها إلى تراجع مؤقت في حجم التكرير المحلي.
ويعني انخفاض التكرير خلال هذه الفترة الحاجة إلى تعويض كميات إضافية من المشتقات عبر الاستيراد، ما يرفع فاتورة تأمين البنزين والمازوت في مرحلة تشهد فيها المنتجات المكررة عالمياً ضغوطاً سعرية أكبر، ويجعل المحافظة على استقرار توفر المواد في السوق المحلية أكثر كلفة.
وتزداد أهمية مصفاة بانياس في هذه المعادلة لأن المشكلة لا تتعلق بتوفر الخام وحده، بل بالقدرة على تحويله إلى مشتقات مطابقة للمواصفات وقابلة للاستهلاك، خصوصاً مع طبيعة النفط السوري الثقيل ومحدودية ملاءمته لبعض قدرات التكرير الحالية.
أكثر من 70 بالمئة مرتبطة بالاستيراد
تضع هذه المعطيات سوريا أمام اعتماد يتجاوز 70 بالمئة على الاستيراد، وفق الأرقام المقدمة، عند احتساب الاحتياجات النفطية بمختلف أشكالها ومتطلبات تأمين المنتجات المناسبة للسوق، وهو ما يجعل الأسعار المحلية شديدة التأثر بالكلفة العالمية وشروط التوريد والنقل.
ولا تقتصر فاتورة الاستيراد على سعر برميل خام برنت، إذ تستورد السوق جزءاً من احتياجاتها على شكل مشتقات نفطية جاهزة، ويخضع سعر هذه المنتجات لكلفة التكرير وهوامش المصافي وحجم المخزونات العالمية، إضافة إلى الشحن والتأمين والتمويل والنقل والتخزين.
ويصبح السؤال في هذه الحالة مختلفاً عن مجرد متابعة سعر النفط الخام، إذ تتمثل المعادلة الأدق في معرفة الكلفة الفعلية لتأمين ليتر البنزين أو المازوت حتى وصوله إلى السوق السورية، وهي كلفة يمكن أن ترتفع حتى عندما لا يسجل خام برنت زيادة مماثلة.
أزمة عالمية في توقيت حساس
تأتي عمرة مصفاة بانياس والحاجة المرتفعة إلى الاستيراد في وقت غير مواتٍ بالنسبة إلى سوق تعتمد على الخارج، إذ تواجه المشتقات النفطية عالمياً ضغوطاً ناجمة عن اضطراب المصافي والإمدادات وطرق الملاحة، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين نتيجة التوترات الإقليمية والدولية.
وتؤدي اضطرابات مضيق هرمز وطرق نقل الطاقة، إلى جانب تداعيات الحرب الروسية– الأوكرانية على المصافي والإنتاج والنقل، إلى زيادة المنافسة على البنزين والديزل الجاهزين، ما يجعل الحصول على شحنات بديلة أكثر كلفة مقارنة بفترات استقرار أسواق الطاقة.
وتفسر هذه الظروف إمكانية تحرك أسعار المشتقات بوتيرة تختلف عن النفط الخام، إذ قد يبقى الخام عند مستوى معين بينما ترتفع كلفة البنزين أو المازوت نتيجة نقص التكرير أو شح المعروض أو زيادة تكاليف الشحن والتأمين.
معادلة بثلاثة ضغوط
تجتمع في السوق السورية بذلك ثلاثة عوامل في وقت واحد، أولها الاعتماد بأكثر من 70 بالمئة على الاستيراد لتغطية الاحتياجات النفطية وفق المعطيات المقدمة، وثانيها انخفاض التكرير المحلي مؤقتاً بالتزامن مع عمرة مصفاة بانياس، وثالثها أزمة عالمية ترفع كلفة الحصول على المشتقات النفطية الجاهزة.
وتضع هذه العوامل أسعار المحروقات أمام ضغوط استثنائية خلال فترة العمرة، لكن وصف أي ارتفاع بأنه "مؤقت" يبقى مرتبطاً بتطور الكلفة العالمية وعودة قدرات التكرير المحلية إلى مستوياتها المستهدفة بعد انتهاء أعمال التأهيل، إضافة إلى حجم الإنتاج المحلي وقدرته على المساهمة في تقليص الحاجة إلى الاستيراد.
ولا يعني ذلك أن نسبة محددة لأي تعديل محلي أصبحت محسومة بمجرد ارتفاع التكاليف الخارجية، إذ يتطلب تحديد السعر النهائي معرفة الكلفة الفعلية للعقود والشحن والتأمين وحجم المخزون وآلية الدعم والتسعير، وهي بيانات تحدد مقدار الفجوة التي ستتحملها الدولة أو تنعكس على السعر المحلي.
توفر المادة معيار أساسي
يرتبط التعامل مع هذه المرحلة بالموازنة بين كلفة المحروقات واستمرار توفرها، إذ إن المحافظة على سعر يقل لفترة طويلة عن كلفة التأمين الفعلية تتطلب تمويل الفارق، بينما قد يؤدي تعثر القدرة على شراء الشحنات اللازمة إلى ضغوط على الكميات المتوفرة في السوق.
وتصبح الأولوية في هذه الظروف ضمان استمرار التوريد ومنع تحول الأزمة العالمية وانخفاض التكرير المحلي إلى نقص في البنزين والمازوت، بالتوازي مع الحد من انتقال آثار أي تعديل سعري إلى أجور النقل والسلع والخدمات الأساسية قدر الإمكان.
وتبقى مرونة التسعير جزءاً أساسياً من هذه المعادلة، بحيث لا تكون مراجعة الأسعار مرتبطة بالارتفاع فقط، بل يفترض أن تخضع للمراجعة مجدداً مع انتهاء عمرة مصفاة بانياس وارتفاع قدرتها على التكرير، أو انخفاض أسعار المشتقات عالمياً وتكاليف الشحن والتأمين، أو تحسن قدرة الإنتاج المحلي على تغطية حصة أكبر من الاستهلاك.
ويحدد نجاح إدارة هذه المرحلة في النهاية ما يلمسه المواطن في السوق، من استمرار توفر البنزين والمازوت وعدم حدوث اختناقات في الإمدادات، وضبط انعكاسات الكلفة على النقل والأسواق والاحتياجات الأساسية، إلى جانب انعكاس أي انخفاض لاحق في كلفة التوريد والتكرير على الأسعار المحلية.