زين في سوريا.. انطلاقة جديدة لقطاع الاتصالات
أعلنت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات اليوم فوز مجموعة زين الكويتية برخصة تشغيل خدمات الخليوي في سوريا، لتصبح المشغل الجديد للشبكة خلفاً لشركة MTN، وذلك بعد منافسة قالت الوزارة إنها استندت إلى معايير فنية ومالية واستثمارية.
ويمثل الإعلان تحولاً جديداً في مسار قطاع الاتصالات السوري، مع خطط لتوسيع الاستثمارات، وتحسين جودة الخدمات، وإدخال تقنيات الجيل الخامس.
وجاء الإعلان خلال حفل رسمي أُقيم في دمشق برعاية وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات، وبحضور وزير الاتصالات عبد السلام هيكل، والرئيس التنفيذي لمجموعة زين ناصر بدر الخرافي، وعدد من الوزراء والمسؤولين وممثلي الجهات المعنية، حيث استعرضت الوزارة مسار منح الرخصة وآلية المنافسة التي انتهت بفوز مجموعة زين، إلى جانب الخطط الاستثمارية للمشغل الجديد ورؤيته لتطوير قطاع الاتصالات في سوريا خلال السنوات المقبلة.
الرخصة الجديدة ورؤية الحكومة
لم تنظر الحكومة إلى منح الرخصة الجديدة بوصفه مجرد انتقال للتشغيل من شركة إلى أخرى، بل باعتباره نقطة انطلاق لإعادة هيكلة قطاع الاتصالات على أسس أكثر حداثة وقدرة على مواكبة التطورات العالمية.
وفي هذا السياق، أكد وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل أن عملية منح الرخصة جاءت بعد تقييم مهني دقيق وعمل مؤسساتي اتسم بالشفافية، وذلك عقب التوصل إلى تسوية قانونية مع مجموعة MTN، الأمر الذي أتاح إطلاق منافسة مفتوحة أمام الشركات العالمية.
وأوضح هيكل أن قطاع الاتصالات يمثل أحد ركائز الاقتصاد الحديث، وأن تطويره لم يعد يقتصر على إصلاح الواقع القائم، بل يتطلب إعادة بناء البنية التحتية الرقمية وفق رؤية جديدة تستجيب لاحتياجات المواطنين وتدعم النشاط الاقتصادي والمعرفي، مشيراً إلى أن الرخصة الجديدة المبنية على تقنيات الجيل الخامس تمثل أكبر استثمار يشهده قطاع الاتصالات الخليوية في سوريا منذ سنوات.
وفي الاتجاه ذاته، رأى مدير الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد خالد الحمصي أن المشروع يشكل بداية مرحلة جديدة تقوم على الاستقلالية والشفافية وتعزيز التنافسية، مؤكداً أن إجراءات منح الرخصة تمت بحيادية كاملة، وأن المعيار الأساسي كان تحقيق المصلحة العامة وخدمة السوريين.
وأضاف أن الرخصة الجديدة ستنعكس على أكثر من مستوى، إذ ستسهم في رفد الخزينة العامة بإيرادات جديدة، واستقطاب استثمارات إضافية، وخلق فرص عمل، وتحديث البنية التقنية، ورفع جودة خدمات الاتصالات، بالتوازي مع إعداد أطر تنظيمية وتشريعية مرنة تستوعب التقنيات الحديثة وتحمي حقوق المستهلك، بما يعزز قدرة القطاع على مواكبة التطورات المتسارعة في عالم الاتصالات.
التزامات زين وخطة التطوير
من جانبها، أكدت مجموعة زين أن دخولها السوق السورية يمثل التزاماً استراتيجياً طويل الأمد، وليس مجرد توسع في أعمالها الإقليمية.
وقال الرئيس التنفيذي للمجموعة ناصر بدر الخرافي إن الشركة تستعد لكتابة فصل جديد في سوريا عنوانه التكنولوجيا الحديثة والاقتصاد المعرفي، انطلاقاً من ثقتها بمستقبل البلاد وقدرات شعبها، مؤكداً أن الاستثمار الحقيقي سيكون في الإنسان السوري عبر نقل المعرفة، وتأهيل الكفاءات الوطنية، وتوفير فرص مهنية مستدامة.
وأوضح الخرافي أن المجموعة ستضع خبراتها في تشغيل شبكات الجيلين الرابع والخامس في خدمة السوق السورية، مع تسريع نشر تقنيات الجيل الخامس، وتطوير البنية التحتية الرقمية، ودعم التحول الرقمي، بما يعزز مكانة سوريا بوابة رقمية للمنطقة ويفتح آفاقاً جديدة للاستثمار والربط التجاري والتقني.
وترجمت الشركة هذه الرؤية إلى التزامات فنية واضحة، تتضمن إطلاق خدمات الجيل الخامس في المدن الرئيسية خلال عام 2027، والوصول بنسبة التغطية إلى 70 بالمئة بحلول عام 2029، ثم إلى 80 بالمئة في عام 2031، إضافة إلى تشغيل شبكة الجيل الخامس المستقلة (5G Standalone) خلال عام 2028.
كما تعهدت برفع تغطية الجيل الرابع إلى 90 بالمئة، وتحقيق تغطية سكانية أساسية تصل إلى 98 بالمئة، مع تحسين جودة الشبكة عبر رفع سرعات الإنترنت إلى 50 ميغابت في الثانية للتحميل و25 ميغابت للرفع بحلول عام 2027، ثم مضاعفتها إلى 100 ميغابت للتحميل و50 ميغابت للرفع في عام 2029، فضلاً عن خفض زمن الاستجابة إلى 15 ميلي ثانية ثم 12 ميلي ثانية، بما يتيح تقديم خدمات رقمية أكثر كفاءة واستقراراً.
وتقول الشركة إن هذه المؤشرات لن تبقى مجرد أرقام تقنية، بل ستنعكس على حياة المواطنين من خلال تحسين جودة الاتصالات، وتسريع خدمات الإنترنت، ودعم التعليم والعمل عن بُعد، وتطوير الخدمات الحكومية الرقمية، وتوفير بيئة أكثر جذباً للشركات والاستثمارات، فضلاً عن تعزيز تواصل السوريين المقيمين في الخارج مع ذويهم داخل البلاد.
عوائد اقتصادية واستثمارات مرتقبة
ولا تقتصر أهمية المشروع على الجانب التقني، إذ تعول الحكومة على آثاره الاقتصادية بوصفه أحد أكبر الاستثمارات في قطاع الاتصالات خلال العقد المقبل.
وتشير الأرقام المعلنة إلى أن الدولة ستحصل على نحو 747 مليون دولار من رسوم الترخيص خلال السنة الأولى، فيما يُتوقع أن تصل العوائد الإجمالية إلى نحو 2.27 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة، تشمل حصة الحكومة من الإيرادات والضرائب وتوزيعات الأرباح.
كما ينتظر أن تتجاوز مساهمة المشروع 4.3 مليارات دولار في الناتج المحلي الإجمالي بحلول السنة العاشرة، بالتوازي مع استثمارات تزيد على 800 مليون دولار في البنية التحتية، واستحداث أكثر من 16 ألفاً و800 فرصة عمل، إضافة إلى التزام مجموعة زين بتخصيص خمسة ملايين دولار لدعم منظومة رؤوس الأموال الجريئة السورية، بما يسهم في تنشيط بيئة الابتكار وريادة الأعمال.
قصة MTN من الدخول إلى الخروج
يكتسب منح الرخصة الجديدة أهمية خاصة لأنه يطوي أحد أكثر الملفات تعقيداً في قطاع الاتصالات السوري، وهو ملف شركة MTN، التي كانت على مدى نحو عقدين أحد المشغلين الرئيسيين لخدمات الخليوي في البلاد.
ودخلت الشركة السوق السورية عام 2007 بعد استحواذ مجموعة MTN الجنوب أفريقية على شركة "أريبا"، ووسعت خلال سنواتها الأولى قاعدة مشتركيها واستثماراتها في تطوير الشبكات، قبل أن تواجه منذ عام 2011 تحديات متزايدة بفعل الحرب، وتضرر البنية التحتية، وتراجع القدرة الشرائية، والعقوبات الغربية التي صعّبت استيراد المعدات وتحويل الأموال، ما انعكس على الإيرادات وأبطأ خطط التطوير.
وتفاقمت التحديات مع نشوب خلافات قانونية ومالية مع الدولة إبان حكم نظام الأسد، انتهت بفرض الحراسة القضائية على الشركة عام 2021، في وقت كانت المجموعة الأم تنفذ استراتيجية للتخارج من أسواق الشرق الأوسط والتركيز على أفريقيا.
وبعد مفاوضات استمرت عدة سنوات، ومع توصلت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات ومجموعة MTN مطلع عام 2026 إلى تسوية ودية أنهت جميع النزاعات، وأفضت إلى إنهاء رخصة الشركة قبل موعد انتهائها، تمهيداً لطرح رخصة جديدة فازت بها مجموعة زين مع ضمان استمرارية الخدمة وعدم تأثر المشتركين.
لماذا زين؟
وجاء اختيار مجموعة زين بعد عملية تنافسية قالت وزارة الاتصالات إنها استندت إلى معايير فنية ومالية واستثمارية دقيقة، ركزت على قدرة المشغل الجديد على تنفيذ خطط التطوير، وضمان استدامة الاستثمار، وتسريع إدخال التقنيات الحديثة إلى السوق السورية.
وتأسست مجموعة زين في الكويت عام 1983، وتعد أول مشغل لخدمات الاتصالات المتنقلة في منطقة الشرق الأوسط، كما تمتلك حضوراً في سبع دول عربية، وتخدم عشرات الملايين من المشتركين، وتتمتع بخبرة واسعة في تشغيل شبكات الجيلين الرابع والخامس، إلى جانب تطوير الخدمات الرقمية والحلول السحابية المخصصة لقطاع الأعمال.
وترى الحكومة أن هذه الخبرات ستمنح قطاع الاتصالات السوري فرصة للاستفادة من أحدث التقنيات العالمية، سواء في مجال نشر شبكات الجيل الخامس، أو تطوير الخدمات الرقمية، أو رفع كفاءة البنية التحتية، بما ينسجم مع خطط التحول الرقمي وإعادة بناء الاقتصاد.
مرحلة جديدة للاتصالات السورية
ويمثل دخول زين إلى السوق السورية خطوة تتجاوز انتقال التشغيل من MTN إلى مشغل جديد، لتفتح المجال أمام تحديث البنية الرقمية، وتحسين جودة الخدمات، واستقطاب استثمارات جديدة، بما يدعم التحول الرقمي ويعزز مكانة قطاع الاتصالات كأحد محركات التنمية الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.