ترقب الأسواق المحلية وسط تحركات صرف الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي
تشهد الأسواق السورية حالة من الترقب بعد الانخفاض في سعر صرف الدولار، والذي دفع إلى إعادة طرح تساؤل أساسي حول مدى إمكانية انعكاس هذا التراجع على أسعار السلع والمواد الأساسية، أم أن الأسواق ستبقى عند مستوياتها المرتفعة مع استمرار عوامل الضغط الاقتصادي وتباين آليات التسعير.
وسجل سعر صرف الليرة السورية تحركات متباينة بين السوق الرسمية والسوق الموازية، حيث ارتفع الدولار في النشرة الرسمية الصادرة عن مصرف سورية المركزي، بالتزامن مع تسجيل الليرة تحسناً ملحوظاً في السوق غير الرسمية.
وأعلن مصرف سوريا المركزي خفض قيمة الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي وبقية العملات الأجنبية في نشرة الأسعار الرسمية الصادرة اليوم الخميس، وذلك لليوم الثاني على التوالي وللمرة الثالثة خلال نحو شهرين.
وأفاد المصرف بأن سعر صرف الدولار حُدد عند 118.5 ليرة جديدة للشراء و119.5 ليرة جديدة للمبيع، مقارنة بسعر 115.5–116.5 ليرة في النشرة السابقة، وكشفت النشرة عن تسجيل اليورو 135.20 ليرة جديدة بدلاً من 131.75 ليرة في التحديث السابق.
وأوضح المصرف أنه خفّض هامش الحركة السعرية من 15% إلى 9% في إطار إجراءات تهدف إلى ضبط التذبذب في سوق الصرف، وأكد أن هذه الخطوة تأتي ضمن سلسلة إجراءات مستمرة منذ آذار 2025 لتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية.
ويرى عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق لؤي الأشقر أن استمرار استقرار أو انخفاض سعر الصرف قد ينعكس تدريجياً على الأسعار في حال توفرت بيئة رقابية فعالة وآلية تسعير شفافة، موضحاً أن تحسن سعر الصرف بحد ذاته لا يكفي، بل يحتاج إلى أدوات تنفيذ ورقابة تضمن انتقال الأثر إلى السوق الفعلية وعدم احتجازه ضمن حلقات الوساطة والتجار.
ويشير الأشقر إلى أن أي انخفاض قريب في الأسعار يرتبط بثلاثة عوامل رئيسية، أولها استقرار سعر الصرف وعدم عودته للتذبذب، وثانيها تحسن الظروف الاقتصادية العالمية وسلاسل الإمداد، وثالثها تطبيق إصلاحات اقتصادية داخلية بشكل فعّال يضمن إعادة التوازن بين الكلفة والأسعار النهائية، مؤكداً أنه في حال تحقق هذه العوامل قد يُسجل انخفاض تدريجي في أسعار المواد خلال الفترة المقبلة.
وفي جانب السياسات النقدية، تم تعديل سعر النشرة الرسمية للدولار من 11,300 ليرة إلى 11,600 ليرة، بالتوازي مع تقليص الهامش الوسطي من 17% إلى 15%، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لإعادة ضبط الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، وليس مؤشراً مباشراً على تعافٍ فعلي لليرة السورية.
ويقدّر الخبراء أن هذا الإجراء يهدف إلى تقليص مساحة المضاربة التي نشطت خلال الأشهر الماضية، وسحب جزء من الفروقات السعرية التي كانت تُستغل في عمليات التحويل والتجارة، ما يعكس محاولة لضبط السوق النقدي أكثر من كونه تحسناً جوهرياً في القوة الشرائية للعملة المحلية.
من جهته، يوضح الباحث الاقتصادي في جامعة إدلب الدكتور مصعب الشبيب أن المصرف المركزي يسعى إلى تضييق الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تعكس قراءة واقعية لحركة السوق، لكنها في الوقت نفسه تؤكد استمرار الضغط على الليرة السورية وعدم دخولها في مرحلة استقرار حقيقي حتى الآن.
ويضيف الشبيب أن هناك عوامل إيجابية يمكن أن تدعم تحسن المشهد الاقتصادي، أبرزها تحسن الموسم الزراعي وما يرافقه من تقليل الحاجة إلى استيراد المواد الغذائية، إضافة إلى انخفاض نسبي في تكاليف الطاقة المستوردة، وكذلك حالة الهدوء السياسي النسبي في الإقليم، والتي تساهم في تخفيف الضغط على الطلب التجاري على الدولار.
ورغم هذه المؤشرات، يؤكد أن الاقتصاد السوري ما يزال يعاني من اختلالات بنيوية، تتمثل في ضعف الاستثمار الحقيقي، وتراجع الإنتاج الصناعي، وانخفاض تدفق القطع الأجنبي، إلى جانب استمرار الاعتماد على التحويلات الخارجية كمصدر رئيسي للدعم النقدي، وهو ما يجعل السوق عرضة للتقلبات المستمرة.
كما يشير إلى أن السوق المحلية تتأثر بشكل كبير بالعوامل النفسية والمضاربات، حيث إن أي حدث سياسي أو اقتصادي مفاجئ يمكن أن يؤدي إلى تحرك سريع في سعر الصرف، ما يعكس هشاشة الاستقرار النقدي في هذه المرحلة.
وبحسب التقديرات الاقتصادية، فإن ما تشهده الأسواق حالياً لا يمكن وصفه بمرحلة تعافٍ، بل بمرحلة إيقاف نزيف الليرة السورية بعد موجات ضغط متتالية، حيث يتم العمل على تثبيت المسار ومنع المزيد من التدهور، دون الوصول بعد إلى مرحلة الاستقرار المستدام.
وفي هذا السياق، يؤكد الخبراء أن تحقيق استقرار حقيقي في الأسعار يتطلب بيئة اقتصادية أوسع تشمل تنشيط الاستثمار، توسيع القاعدة الإنتاجية، تحسين تدفق القطع الأجنبي، وتعزيز الثقة في السوق الرسمية، إضافة إلى ضبط السياسات الضريبية والجمركية التي تنعكس بشكل مباشر على تكاليف الاستيراد.
كما أن الاستفادة من أي تراجع في تكاليف الشحن أو تحسن في سلاسل الإمداد العالمية لن تنعكس تلقائياً على المستهلك، ما لم تُرافقها إجراءات رقابية صارمة تضمن انتقال الأثر من المستورد إلى السوق النهائي، وتحد من تضخم هوامش الربح في حلقات الوساطة.
وتشير المعطيات إلى أن السوق السورية أمام مرحلة حساسة تتقاطع فيها عوامل إيجابية مؤقتة مع تحديات هيكلية عميقة، ما يجعل مسار الأسعار مرهوناً بتوازن دقيق بين سعر الصرف والسياسات الاقتصادية ومستوى الإنتاج واستقرار البيئة التجارية، وهو ما سيحدد ما إذا كان المواطن سيشعر بانخفاض فعلي في الأسعار أم أن التحسن سيبقى محدود الأثر ومؤقتاً في السوق.