اضطراب طرق الإمداد وتراجع التكرير يضغطان على أسواق الوقود.. لماذا ترتفع أسعار البنزين والمازوت عالمياً؟
اضطراب طرق الإمداد وتراجع التكرير يضغطان على أسواق الوقود.. لماذا ترتفع أسعار البنزين والمازوت عالمياً؟
● اقتصاد ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦

اضطراب طرق الإمداد وتراجع التكرير يضغطان على أسواق الوقود.. لماذا ترتفع أسعار البنزين والمازوت عالمياً؟

دخلت أسواق الطاقة العالمية مرحلة أكثر تعقيداً، إذ لم تعد أسعار البنزين والمازوت تتحرك وفق سعر برميل النفط الخام وحده، بعدما أضافت الحرب الأمريكية الإسرائيلية– الإيرانية واضطرابات الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، إلى جانب الأضرار التي طالت منشآت ومصافي نفطية، تكاليف ومخاطر جديدة إلى سلسلة إنتاج الوقود ونقله وتأمينه.

وتزامنت هذه التطورات مع استمرار تداعيات الحرب الروسية– الأوكرانية واستهداف منشآت التكرير والنقل، ما أدى إلى تداخل أزمات الإنتاج والمصافي والممرات البحرية، ورفع المنافسة على المشتقات النفطية الجاهزة، لتنتقل الضغوط من مناطق الصراع إلى أسواق الوقود حول العالم.

وتشير تطورات الأسواق إلى أن المشتقات النفطية، وفي مقدمتها البنزين والمازوت، قد تتعرض لضغوط تفوق أحياناً تلك التي يشهدها الخام نفسه، نتيجة تراجع طاقات التكرير وانخفاض المخزونات وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما يجعل اضطراباً يقع على بعد آلاف الكيلومترات قابلاً للانعكاس سريعاً على السعر الذي يدفعه المستهلك.

هرمز في قلب أزمة الإمدادات

يتصدر مضيق هرمز المشهد بوصفه واحداً من أكثر نقاط الضغط حساسية في سوق الطاقة، إذ تراجعت حركة السفن عبر الممر الحيوي بصورة كبيرة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، في وقت تعتمد فيه صادرات نفط وغاز رئيسية من دول الخليج على المرور عبره للوصول إلى الأسواق العالمية.

وترافقت الاضطرابات مع استهداف ناقلات نفط وتشديد القيود على صادرات النفط الإيرانية، فيما تجاوز خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل في التاسع من أيلول/سبتمبر، وسط مخاوف من استمرار تعطل الإمدادات واتساع نطاق المواجهة وتأثيرها في منشآت الطاقة ومسارات التصدير.

ولا يقتصر تأثير اضطراب هرمز على تراجع الكميات المنقولة، إذ تدفع المخاطر الأمنية تكاليف التأمين والشحن إلى الارتفاع، وتؤدي إلى تأخير بعض الناقلات أو تغيير مساراتها، بينما تلجأ دول خليجية إلى طرق تصدير بديلة في محاولة لتخفيف الاعتماد على المضيق.

وتظهر بيانات حركة الشحن أن تدفقات النفط عبر الخليج تحسنت خلال فترات شهدت زيادة في حركة الملاحة، لكنها بقيت دون مستويات ما قبل الحرب، ما يبقي السوق عرضة لأي تصعيد جديد قد يعرقل الإمدادات.

المصافي تضاعف الضغوط على البنزين والمازوت

أضافت الحرب الروسية– الأوكرانية عاملاً آخر إلى الأزمة، مع تعرض منشآت ومصاف روسية للاستهداف وتعطل أجزاء من قدرات التكرير، بالتزامن مع المخاطر التي تواجه حركة السفن والنقل في منطقة البحر الأسود.

وأدى تضرر قدرات التكرير في روسيا والشرق الأوسط إلى زيادة الضغوط على إمدادات الديزل والمنتجات المكررة، فيما تراجع إنتاج البنزين الروسي خلال الفترة الأخيرة مقارنة بمستويات الاستهلاك المحلي، ما تسبب في نقص الوقود وظهور طوابير أمام بعض محطات التعبئة.

وارتفعت بالتوازي هوامش تكرير الديزل والبنزين إلى مستويات استثنائية، إذ قفز هامش تكرير الديزل إلى أكثر من 108 دولارات للبرميل، بينما تجاوز هامش البنزين في أوروبا مطلع أيلول 62 دولاراً، وسجل الديزل أكثر من 78 دولاراً، في مؤشر إلى اتساع الفارق بين قيمة النفط الخام وكلفة المنتجات الجاهزة.

وتفسر هذه المعطيات جانباً من الارتفاع السريع في أسعار المازوت والبنزين، فامتلاك النفط الخام وحده لا يكفي لتلبية الطلب على الوقود، بل يحتاج إلى مصاف قادرة على تحويله إلى منتجات قابلة للاستهلاك، ثم إلى منظومة نقل وتخزين وتوزيع تعمل بصورة مستقرة.

مسارات بديلة بكلفة أعلى

تتسع دائرة المخاطر مع امتداد شبكة نقل الطاقة من الخليج والبحر الأحمر إلى بحر قزوين والبحر الأسود، إذ ترتبط هذه المناطق بخطوط أنابيب وموانئ ومسارات بحرية تغذي الأسواق الأوروبية والآسيوية، ما يجعل أي اضطراب في إحدى حلقات الشبكة مؤثراً في حركة الإمدادات.

وتزداد الكلفة عندما تتعرض عدة مسارات للضغط في الوقت نفسه، إذ تبدأ الدول والمصافي والمستوردون البحث عن شحنات بديلة، وترتفع المنافسة على الكميات المتاحة، بينما تصبح بعض الناقلات مضطرة إلى قطع مسافات أطول للوصول إلى وجهتها.

وتضيف المخاطر الأمنية في خليج عدن وقبالة السواحل الصومالية عاملاً آخر إلى حسابات شركات الشحن، إذ تؤدي التهديدات التي تواجه السفن إلى زيادة نفقات التأمين والحماية، وقد تدفع إلى تغيير المسارات وإطالة مدة الرحلات، لتصبح كلفة وصول الوقود مرتبطة بسعر النفط والتكرير والنقل والتأمين مجتمعة.

لماذا لا يتحرك سعر الوقود مع الخام فقط؟

تكشف الأزمة الحالية أن سعر لتر البنزين أو المازوت لا يمثل انعكاساً مباشراً لسعر برميل النفط، إذ تدخل في تحديده كلفة شراء الخام أو المنتج المكرر، وهوامش التكرير، والشحن والتأمين والتخزين، وحجم المخزون المتاح، إضافة إلى الضرائب والدعم وآلية التسعير المعتمدة في كل دولة.

وتزداد حساسية السوق عندما يتزامن ارتفاع النفط الخام مع نقص المشتقات الجاهزة، إذ تدخل الدول المستوردة في منافسة على كميات محدودة من البنزين والديزل، ما يرفع أسعار الشحنات حتى قبل إضافة نفقات إيصالها وتخزينها وتوزيعها محلياً.

وتبرز خطورة هذا العامل بصورة أكبر لدى الدول التي تعتمد على استيراد المشتقات الجاهزة، إذ تصبح قدرتها على تثبيت الأسعار مرتبطة بحجم الفارق الذي تستطيع الحكومة أو الشركات تحمله بين السعر العالمي والكلفة المحلية، وبقدرتها على ضمان استمرار عقود التوريد في سوق تشهد منافسة متزايدة.

ارتفاعات تمتد إلى أسواق عدة

تعكس أسعار الوقود في عدد من الدول حجم انتقال الأزمة العالمية إلى المستهلك، إذ رفعت الإمارات أسعار البنزين خلال أيلول/سبتمبر بنسب تراوحت بين 5.56 و5.87 بالمئة، ووصل سعر بنزين "سوبر 98" إلى 3.80 دراهم للتر، و"خاص 95" إلى 3.69 دراهم، فيما بلغ الديزل 4.30 دراهم للتر.

وسجلت بريطانيا بدورها ارتفاعاً في متوسط أسعار البنزين والديزل إلى مستويات تعد من الأعلى خلال السنوات الأخيرة، بينما شهدت الولايات المتحدة زيادة ملحوظة في أسعار الوقود، ووصل متوسط البنزين إلى أكثر من أربعة دولارات للغالون، بالتزامن مع ارتفاع النفط والضغط على قدرات التكرير.

وشهدت تركيا كذلك أسعاراً مرتفعة للمحروقات، إذ بلغ متوسط سعر البنزين في إسطنبول في التاسع من أيلول نحو 75.9 ليرة للتر، مقابل قرابة 87.7 ليرة للديزل، وسط تأثير مشترك للأسعار العالمية وسعر الصرف وكلفة تأمين الإمدادات.

سلسلة واحدة تصل إلى الأسواق المحلية

تكشف هذه التطورات أن الدول لا تتأثر بأزمة الطاقة بالمستوى نفسه، إذ تختلف الانعكاسات بحسب اعتماد كل دولة على الاستيراد، وحجم مخزوناتها، وقدراتها المحلية على التكرير، وكلفة النقل إليها، ومستوى الدعم الحكومي وآلية تحديد الأسعار.

وتصبح الضغوط أكبر لدى الأسواق المستوردة عندما تجتمع ثلاثة عوامل في وقت واحد، هي ارتفاع سعر الخام، ونقص المنتجات المكررة، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، إذ يصبح الحفاظ على مستوى الأسعار السابق أكثر كلفة، بينما تتزايد في المقابل أهمية ضمان استمرار التوريد ومنع تحول ارتفاع الأسعار العالمي إلى أزمة نقص في المادة.

وتبدأ بذلك رحلة ارتفاع الكلفة من حقول الإنتاج ومضيق هرمز والمصافي المتضررة ومسارات الملاحة، ثم تمر بأسواق التكرير والناقلات وشركات التأمين والمستوردين، قبل أن تصل في نهايتها إلى محطات الوقود، وهو ما يجعل أسعار البنزين والمازوت اليوم نتيجة لسلسلة مترابطة من العوامل العالمية، وليس لحركة سعر برميل النفط الخام وحدها.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ